قرار الأمم المتحدة وصف ما يحدث فى غزة «إبادة جماعية».. إسرائيل تحت المحاسبة
زينب هاشم
سمير حكيم: هناك مشكلة «توظيف» الفيتو فى القرارات القوية التى تدعو لوقف إطلاق النار
لؤى صوالحة: هذا التصنيف يضع إسرائيل فى نفس خانة الأنظمة المجرمة عالميا
د. عبد الرازق غراف: سيحمل جملة من الدلالات السياسية تنعكس على الداخل الإسرائيلى
إبادة جماعية مكتملة الأركان، تتبعها إسرائيل منذ السابع من أكتوبر قبل الماضى، هدفها القضاء على الفلسطينيين، خلاصة تقرير أعدته لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، وهو التقرير الأممى الأول من نوعه، من حيث الجزم بهذا الوصف، والذى اعتبر أن كبار قادة إسرائيل حرضوا على الإبادة الجماعية لشعب فلسطين.
«الأهرام العربي» توجهت بالسؤال كيف يمكن توصيف الأمم المتحدة لما يجرى فى قطاع غزة بأنه إبادة جماعية؟ وكيف يتحول هذا التقرير إلى أداة قوية بيد الفلسطينيين لتحقيق مزيد من الضغوط على إسرائيل لوقف الحرب؟ عبر السطور المقبلة.
فى البداية أجاب د. سمير حكيم أستاذ العلوم السياسية والقانون الدولى بجامعة غرداية بالجزائر، قائلا: يدور حاليا حديث واسع بفشل وضعف الأمم المتحدة، فى وقف العدوان الدموى الجبان والإبادة الجماعية فى حق سكان غزة، خصوصاً فى الآونة الأخيرة وذلك فى ظل تعتيم وازدواجية المعايير الغربية بعدم حماية المدنيين خصوصا بعد الانتشار الواسع لمشاهد المجاعة.
ويستكمل حكيم حديثه قائلا: وبالتالى أرجح عدم قدرة الأمم المتحدة على إثبات ذلك لسببين أساسيين، وهما: مشكلة توظيف الفيتو فى القرارات القوية التى تدعو لوقف إطلاق النار من قبل الولايات المتحدة أو دول أخرى حليفة للكيان الإسرائيلى، إضافة لضعف الخطاب الرسمى الدولى لدى أروقة الأمم المتحدة.
ويستكمل الحديث، لؤى صوالحة الكاتب السياسى والباحث فى العلاقات الدولية والقانونية، قائلا: فى لحظات نادرة من التاريخ، تظهر كلمات تصبح أقوى من كل السيوف والدبابات، أقوى من كل المؤتمرات والقرارات السياسية. كلمة واحدة كافية لتغيير ميزان القوة الأخلاقى والقانونى والسياسى فى العالم. هذه الكلمة اليوم هى “الإبادة الجماعية”، التى استخدمتها الأمم المتحدة لوصف ما يجرى فى قطاع غزة، وهو ليس مجرد توصيف بل إعلان رسمى، يضع كل مرتكب ومتواطئ وداعم تحت سقف المسئولية الدولية والأخلاقية.
ويمضى صوالحة فى الحديث، قائلا: إن وصف الأمم المتحدة لما يحدث فى غزة بأنه إبادة جماعية يضع الفلسطينيين أمام فرصة تاريخية لم يسبق لها مثيل، وهى تحويل كلمات مكتوبة على ورق إلى سلاح إستراتيجى عالمى، يدفع العالم أجمع إلى مساءلة إسرائيل وحلفائها، ويضع القضية الفلسطينية على رأس الأولويات الدولية، ليس فقط كصراع على الأرض، بل كمعركة وجودية ضد جريمة ممنهجة ضد الإنسانية.
ويضيف: هنا الإبادة الجماعية ليست مجرد كلمة عاطفية، بل هى مصطلح قانونى محدد فى اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948 لمنع جريمة الإبادة الجماعية، التى عرفتها المادة الثانية، بأنها أية أفعال ترتكب بقصد تدمير كلى أو جزئى لجماعة قومية أو إثنية أو دينية أو عرقية، لذلك فحين تصف الأمم المتحدة ما يجرى فى غزة بأنه إبادة، فإنها تقول للعالم إن ما يحدث ليس نزاعًا عسكريًا، بل محاولة منهجية لإبادة شعب فلسطينى كامل، وهذا التصنيف يضع إسرائيل فى نفس خانة الأنظمة المجرمة عالميًا، من النازية إلى الأبارتهايد بل يتجاوزها بسبب استمرار الإبادة على الهواء مباشرة أمام العالم.
ويشير إلى أن هذا الوصف يسقط عن إسرائيل الشرعية الأخلاقية والسياسية التى بنتها لنفسها طوال عقود، حيث تحولت من “الضحية التاريخية” إلى الجلاد الرسمى، ومن “الديمقراطية الوحيدة فى الشرق الأوسط” إلى دولة إبادة لا يمكن تبرير أفعالها.
ويستكمل حديثه، قائلا: تحويل التوصيف الأممى إلى سلاح إستراتيجى، فالفلسطينيون اليوم أمام فرصة تاريخية لتحويل هذا التقرير إلى أداة ضغط عالمية، عبر ثلاثة مسارات مترابطة، أولها المسار القانونى من خلال رفع دعاوى ضد قادة الاحتلال أمام المحكمة الجنائية الدولية، استنادا إلى المادة الثانية من اتفاقية منع الإبادة.
ويتابع: كذلك تقديم دعاوى أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل والدول والشركات المتواطئة، التى تزودها بالسلاح والتمويل إلى جانب تفعيل الولاية القضائية العالمية لمحاكمة أى مسئول إسرائيلى يسافر إلى أى دولة أخرى، وثانيا المسار الدبلوماسى وهو استخدام التوصيف الأممى كغطاء قانونى وأخلاقى لدول العالم، لفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية على إسرائيل، وذلك ببناء تحالفات جديدة من دول الجنوب العالمى، ودفع الحكومات العربية والإسلامية لتحويل الشجب إلى تحرك ملموس ،ثم ثالثا وهو المسار الشعبى العالمى الذى جعل شعار “أوقفوا الإبادة فى غزة” مطلبًا عالميًا فى المظاهرات والاعتصامات. لا سيما فى ربط القضية الفلسطينية بقضية الإنسانية العالمية، ليضغط الرأى العام على الحكومات الغربية لوقف الدعم العسكرى والسياسى لإسرائيل.
ويتساءل صوالحة كيف يمكن لإسرائيل الدفاع عن نفسها، عبر قصف المستشفيات والمدارس وقتل آلاف الأطفال والنساء، وكذلك حصر ملايين البشر فى حصار غذائى ودوائى، لذلك هناك ضرورة لتفكيك خطاب الاحتلال.
ويستكمل حديثه، قائلا: هناك شهادات من الواقع، تؤكد أن الدم الفلسطينى على الأرض منها مستشفى الشفاء فى غزة، حيث تم استهداف مباشر تسبب بمقتل 43 شخصًا بينهم 12 طفلًا، وأيضا مخيم جباليا الذى تم فيه تدمير أحياء كاملة، أودى بحياة أكثر من 1200 مدنى خلال أسبوعين، هذا بخلاف حصار غزة فهناك مليونى شخص محرومون من الغذاء والماء والدواء، ومعظم الأطفال يعيشون تحت شبح الموت يوميًا. وهذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات بل أدلة حية على نية الإبادة.
ويستكمل الباحث القانونى حديثه، قائلا: هناك دروس من التاريخ، تؤكد أن ما يحدث فى غزة جريمة كاملة، ففى البوسنة سربرنيتسا 1995 قتل أكثر من 8 آلاف مسلم بوسنى خلال أيام، وصنفت الجريمة لاحقًا إبادة جماعية. وفى رواندا 1994 خلال 100 يوم، أُبيد 800 ألف توتسى، العالم صمت أولًا، ثم اعترف بالتقصير أما فى جنوب إفريقيا فسقوط الأبارتهايد لم يكن نتيجة حرب، بل ضغط عالمى مستند إلى توصيف نظامه بالتمييز العنصري. وهو ما يؤكد أن غزة اليوم تتعرض لإبادة مباشرة، أمام أعين العالم، مع وجود وثيقة أممية رسمية تصف الجريمة، ما يجعل الصمت العالمى مستحيلًا.
ويرى صوالحة أنه لكى يتم تحويل التوصيف الأممى إلى أقوى سلاح سياسى وقانونى، يجب اتخاذ عدة خطوات عملية له وهى أولا توحيد الخطاب الفلسطينى حول شعار “وقف الإبادة” ثم تفعيل فرق قانونية دولية لرفع ملفات أمام المحكمة الجنائية الدولية وكذلك تقديم دعاوى ضد الدول والشركات المتواطئة فى مراكز قضائية عالمية، إلى جانب تصعيد الضغط الشعبى العالمى من خلال حملات إعلامية ومظاهرات فى العواصم الكبرى، وكذلك تحريك الرأى العام العربى والإسلامى، لممارسة ضغوط فعلية على حكوماتهم. ثم تفعيل المقاطعة الاقتصادية والسياسية لإسرائيل على مستوى عالمى، ومن بعد توثيق الجرائم يوميًا بالصوت والصورة لزيادة الضغط الدولي. وانتهاء بدمج الرواية الفلسطينية بالبعد الإنسانى العالمى، لجعل القضية قضية كل إنسان حر على وجه الأرض.
ويستكمل حديثه، قائلا: وهنا توصيف الأمم المتحدة ليس مجرد تقرير، بل حكم تاريخى على إسرائيل. فغزة لم تهزم بالقصف، ولم تكسر بالإبادة. بل هى من كسرت أسطورة “إسرائيل التى لا تقهر” بكلمة واحدة وهى “إبادة”.
ويوضح أن هذه الكلمة، إذا أحسن الفلسطينيون والعالم استثمارها، ستفتح أبواب المحاكم على قادة الاحتلال، وستحرك الشعوب، وستعيد كتابة التاريخ. فغزة ليست وحدها، والدم الفلسطينى أصبح وثيقة لا يمكن تجاهلها، فالفلسطينيون قاوموا الاحتلال بالسلاح والدماء والموت، واليوم يمتلكون سلاحًا آخر وهو الإبادة كوثيقة أممية، كسيف أخلاقى، كصرخة إنسانية كونية. وإذا استثمرت، ستكون بداية النهاية لأسطورة الاحتلال وبداية ولادة فلسطين التى لا تباد.
ويتفق مع الرأى السابق د. عبد الرزاق غراف، باحث أول بمركز الخليج للأبحاث، قائلا: أكدت لجنة تحقيق دولية مستقلة تابعة للأمم المتحدة إلى أن إسرائيل، ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين فى قطاع غزة خلال العدوان المستمر منذ السابع من أكتوبر 2023، كما حثت اللجنة إسرائيل وجميع الأطراف على الوفاء بالالتزامات القانونية بموجب القانون الدولى عبر إنهاء الإبادة الجماعية ومعاقبة المسئولين عنها، وقد استند التقرير الأممى فى إثباته لارتكاب إسرائيل إبادة جماعية فى حق الفلسطينيين إلى أربعة من أفعال الإبادة الجماعية من مجمل خمسة أفعال سبق وحددتها اتفاقية منع جرائم الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948.
ويمضى غراف فى حديثه، قائلا: فى هذا السياق تبرز جملة من الأسئلة المرتبطة بأبعاد القرار الأممى القانونية والسياسية، وحدود تأثيره على الأطراف المعنية بهذه الأفعال بشكل مباشر وغير مباشر فى الوقت الراهن وعلى المدى المنظور والبعيد؟ وما فرص توظيف التقرير الأممى لتحقيق مكاسب لصالح المظلومية الحقوقية الفلسطينية؟ وهل يسمح الواقع الراهن بتفعيل مثل هذه القرارات وتحويلها لأوراق ضغط سياسى من أجل لجم العدوان الإسرائيلى الهمجى وتوجهات حكومة اليمين المتطرف فى تل أبيب وطموحاتها التوراتية؟
ويؤكد أن ما طرح لا يعد سوى جزء يسير من كثير حول ما يحمل القرار الأممى من دلالات، وما هو محتمل من تداعيات سواء على المدى المنظور أم المدى البعيد، ويستكمل حديثه قائلا: مثل هذه القرارات وبعد إقرارها لا يمكن أن تسقط بالتقادم، والمراجع لتاريخ النصف الثانى من القرن العشرين، سيجد العديد من الحالات التى وإن نجى أصحابها فى ظروف معينة لفترات محددة، فإن منطق القانون سيكون جاهزا للاستئناف والتنفيذ حال اندثار هذه الظروف، فمن قادة الصرب فى تسعينيات القرن الماضى وقبلهم الخمير الحمر فى كمبوديا وغيرها من حالات، أثبتت أن مثل هذه التقارير يحمل فى طياته كبير التأثير ولو بعد حين.
ويضيف: ففى الوقت الراهن وفى ظل الوضع السياسى سواء فى الداخل الإسرائيلى المرتهن لتوجهات الحكومة الإسرائيلية الخاضعة، بشكل شبه كلى لإملاءات اليمين المتطرف، وفى ظل التبنى شبه المطلق من طرف الإدارة الأمريكية الراهنة للرؤية الإسرائيلية، وهى التى وظفت كل قدراتها ومفاصل هيمنتها سواء بشكل مباشر عبر عضويتها الدائمة فى مجلس الأمن واستخدامها للفيتو لسبع مرات من أجل عرقلة قرارات الأخير لوقف العدوان الإسرائيلى، ومنه وقف حرب الإبادة الإسرائيلية على سكان القطاع، أو بشكل غير مباشر عبر ممارستها لأقصى الضغوط على الهيئات القضائية الدولية فى سبيل منع أى قرارات ضد من يتحملون مسئولية الإبادة الجماعية من مسئولين إسرائيليين.
ويمضى غراف فى حديثه قائلا: فى ظل هذه الظروف يبدو من الصعوبة التنبؤ بنتائج حاسمة للقرار الأممى، بما يفضى لتغيير نمط الفعل الإسرائيلى على الأرض، قياسا لما آلت إليه قرارات سابقة فى ذات السياق، وأبرزها قرار الجنائية الدولية فى حق رئيس الوزراء الإسرائيلى ووزير دفاعه، حين تعرض مدعى عام المحكمة وبعض من أعضائها لضغوط أمريكية شديدة، كما أدى قرار الجنائية لانسحاب بعض من الموقعين على ميثاق المحكمة، على غرار دولة المجر التى آثرت الانسحاب عوض تنفيذ قرار المحكمة خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلى لها، وهو المطلوب كمجرم حرب.
ويشير إلى أن التقرير الأممى سيحمل حتما جملة من الدلالات السياسية التى من المؤكد أنها ستنعكس على الداخل الإسرائيلى كما على خارجه، ويستكمل قائلا: فالمعارضة فى الداخل الإسرائيلى، والتى لطالما حذرت من احتمالية سقوط إسرائيل فى فخ العزلة الدولية كنتيجة لسياسات الحكومة، ستستغل هذا التقرير من أجل ممارسة المزيد من الضغوط على السلطة من أجل تحقيق مكاسب أمام الشارع الإسرائيلى، وهو ما تخشاه الحكومة فى حال تم، وتحت أى دافع كان اللجوء إلى انتخابات مبكرة من شأنها أن تعيد رسم معالم الحكومة ومكوناتها، وبذات الأثر يحسب رعاة هذه الحكومة الخارجيين وفى مقدمتهم الإدارة الأمريكية، وجناح اليمين الإنجيلى فيها حجم تأثير التقرير على نهجهم الراهن فى دعم إسرائيل بشكل مطلق، خصوصا أن الاستمرار فى هذا المسار من شأنه أن يؤثر على موقف الإدارة تجاه ملفات أخرى متزامنة سواء فى أوكرانيا أو غيرها من ملفات. على النحو الذى يجعل عزلة الولايات المتحدة من عزلة إسرائيل.
ويضيف: فى ظل تصاعد العزلة السياسية الدولية على إسرائيل، التى كانت موجة الاعتراف الدولى الأخيرة بدولة فلسطين والمستندة على مشروع “حل الدولتين” أحد أوجهها، وهى التى سار فى دربها وطالت حتى من يصنفون ضمن خانة حلفاء إسرائيل على غرار بريطانيا وفرنسا، إلى جانب حدود استمرار الدعم الأمريكى المطلق لإسرائيل، الذى وبرغم تبنّى إدارة دونالد ترامب للرؤية الإسرائيلية للدرجة التى أصبح فيها من الصعب بما كان تمييز حدود التباين ومظاهر التمايز بين الرؤيتين الإسرائيلية والأمريكية، برغم أنها ذات الإدارة التى سبق وأن ألمح بعض مسئوليها، بأن الضوء الأخضر الأمريكى لإسرائيل أن تفعل ما هو ضرورى ليس إلى ما لا نهاية، وإلى غاية توضيح لحظة ومعالم هذه النهاية ومداها، يبدو أن الصبر الأمريكى مرهون بتحول تداعيات الفعل الإسرائيلى بالسلب على المصالح الأمريكية ذاتها وسط نظام أمن إقليمى، يستمر فى التدهور نتيجة حلم اليمين المتطرف فى إسرائيل، الذى تحول إلى إستراتيجية دولة فى ظل الحكومة الإسرائيلية الراهنة.