دولة فلسطين.. حلم يقترب من التحقق!

دولة فلسطين.. حلم يقترب من التحقق!

د. عصام يوسف

رئيس الهيئة الشعبية العالمية لدعم غزة.

Published On 5/10/2025

العلم الفلسطيني يرفع لأول مرة أمام مبنى البعثة الفلسطينية في العاصمة لندن التي ستصبح بموجب قرار الاعتراف سفارة رسمية للدولة الفلسطينية

العلم الفلسطيني يرفع لأول مرة أمام مبنى البعثة الفلسطينية في العاصمة لندن التي ستصبح بموجب قرار الاعتراف سفارة رسمية للدولة الفلسطينية (الجزيرة)

لا يمكن الفصل بين ما فعله البريطانيون في فلسطين منذ عام 1917، وما يحدث اليوم على يد حكومة وجيش الاحتلال الإسرائيلي. فمنذ "إعلان بلفور"، الذي مثّل دعمًا صريحًا من بريطانيا لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، رغم أن نحو 90% من سكانها آنذاك كانوا عربًا فلسطينيين، بدأت حلقات متصلة من التواطؤ مع المشروع الصهيوني، وتجاهل تام لحقوق السكان الأصليين، رغم أن الإعلان نفسه نصّ على "ألا يُلحِق أي ضرر بالحقوق المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين".

دخل الجيش البريطاني القدس، وفرض حكمًا عسكريًا مباشرًا، ومنع أي شكل من أشكال السيادة العربية أو الإسلامية على الأرض الفلسطينية، حتى أُقرّ "الانتداب البريطاني" رسميًا عام 1922 من قبل عصبة الأمم، ليُمنح لبريطانيا بهدف تنفيذ ما ورد في إعلان بلفور.

خلال فترة الانتداب، فتحت بريطانيا أبواب الهجرة أمام اليهود الأوروبيين، وساعدتهم على بناء بنية تحتية موازية للدولة، فتم جلب عشرات الآلاف من المهاجرين اليهود من أوروبا، خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية، وتم تمكينهم اقتصاديًا وأمنيًا.

في المقابل، تعرّض الفلسطينيون لحملات قمع عنيفة؛ فقد قُتل الآلاف منهم، واعتُقل الآلاف، بينهم مفكرون وقادة سياسيون، ونُفيت شخصيات وطنية بارزة مثل مفتي القدس الحاج أمين الحسيني، كما هُدمت مئات المنازل ودُمّرت قرى بأكملها كعقاب جماعي. وفي نهاية المطاف، سلّمت بريطانيا البلاد للعصابات الصهيونية المدججة بالسلاح والمنظمة عسكريًا، لتبدأ النكبة وتُقام دولة الاحتلال على أنقاض الشعب الفلسطيني.

ما تقوم به إسرائيل اليوم في غزة والضفة الغربية من قتل جماعي، وتهجير، ومصادرة أراضٍ، وبناء مستوطنات، يُعيد إلى الأذهان المشروع نفسه الذي بدأت بريطانيا تنفيذه قبل أكثر من قرن. فحينها كانت بريطانيا تمهّد لقيام "دولة يهودية" على حساب السكان الأصليين، واليوم تسعى إسرائيل إلى استكمال مشروع "إسرائيل الكبرى" عبر محيط فلسطين التاريخية، باستخدام القوة والقتل والإرهاب المنظَّم.

اليوم نشهد تكرارًا للمشهد، ولكن من زاوية معاكسة؛ فالدول التي اعترفت بإسرائيل دولة شرعية وساندتها سياسيًا وعسكريًا لعقود، تعيد إنتاج المواقف نفسها ولكن ضد الفلسطينيين هذه المرة

متغيرات إيجابية

بعد قرنٍ من الزمان، يشهد التاريخ متغيرات إيجابية بدأت تلوح في الأفق، تشير إلى اقتراب حلم الدولة الفلسطينية المستقلة من أن يصبح حقيقة واقعة.

فها هو الانتداب البريطاني، بعد غفلة طويلة، يعيد النظر في مواقفه، ويقرّ ضمنيًا بأن إسرائيل خالفت "إعلان بلفور" (Balfour Declaration)، الذي نصّ بوضوح على عدم المساس بالجغرافيا أو الديموغرافيا في فلسطين عند تقديم وعده بإقامة "وطن قومي لليهود" في أرض فلسطين، وليس دولة يهودية على حساب سكانها الأصليين.

لقد ارتكبت العصابات الصهيونية، مثل "الهاجاناه" و"الأرغون" و"شتيرن"، جرائم بحق القوات البريطانية آنذاك؛ ففجّرت فندق الملك داوود، وقتلت جنودًا بريطانيين، وارتكبت أعمالًا إرهابية موثقة.

في حينه، وصفت بريطانيا هذه العصابات بالإرهابية، وطاردتها كمجرمي حرب، ورغم ذلك قامت بتمكينها سياسيًا وعسكريًا، وسمحت لها بالنجاة، ثم ساهمت في إنشاء الكيان الإسرائيلي الغاصب على معظم الأراضي الفلسطينية، ليصبح أفراده وقادته لاحقًا حكّام الدولة المحتلة.

المشهد يتكرر.. ولكن بالعكس

اليوم نشهد تكرارًا للمشهد، ولكن من زاوية معاكسة؛ فالدول التي اعترفت بإسرائيل دولة شرعية وساندتها سياسيًا وعسكريًا لعقود، تعيد إنتاج المواقف نفسها ولكن ضد الفلسطينيين هذه المرة.

فقد وُصِفَت المقاومة الفلسطينية، منذ ما قبل قيام "الدولة العبرية" وحتى يومنا هذا، بأنها "إرهابية"، بما في ذلك منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الفلسطينية، وفصائل المقاومة، وعلى رأسها حركة حماس.

رغم أن هذه القوى خاضت العملية السياسية، وشاركت في انتخابات تشريعية ديمقراطية شهد لها العالم بالنزاهة والشفافية، بل وأعلنت استعدادها المتكرر للمشاركة في أي استحقاقات ديمقراطية مستقبلية.

لقد التزمت الفصائل، في أكثر من مناسبة، بإطار التعددية السياسية، ورفضت إقصاء الآخرين أو احتكار الحكم، وأبدت استعدادها لتوحيد الصف الوطني على قاعدة الشراكة لا المغالبة.

صحيح أن كل مقاومة بشرية لا تخلو من أخطاء وزلات، خاصة تحت جبروت الاحتلال، لكن ذلك لا يمكن أن يُحوِّل الخطأ إلى مبدأ، أو يُنزع عن المقاومة شرعيتها.

لا يمكن الحديث عن سلام حقيقي دون عدالة، ولا عدالة بلا إنصاف للشعب الفلسطيني، الذي ليس استثناءً من القيم الإنسانية، وليس عبئًا إضافيًا على العالم

القانون الدولي وحق المقاومة

أقرّ القانون الدولي الإنساني بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في مقاومته بكل وسيلة ممكنة، غير أن هذه العبارة المفتوحة "بكل وسيلة" تبقى إشكالية، لأنها لم توضع ضمن ضوابط أخلاقية وإنسانية دقيقة، خاصة أن من صاغ هذه القوانين هو من انتصر في الحرب العالمية الثانية بعد استخدامه أسلحة دمار شامل، بما في ذلك القنابل النووية والغازات السامة.

قُتل في الحربين العالميتين أكثر من 70 مليون إنسان، معظمهم من المدنيين، ومن بينهم ملايين اليهود والمسيحيين والمسلمين، بما سُمّي بـ"الهولوكوست"، وأصبح مثالًا مرفوضًا لكل جريمة تتشابه معه.

لذلك فإن رفض استخدام "كل الوسائل الممكنة" نابع من وعي أخلاقي وديني وإنساني، لا من ضعف أو تخاذل.

إن الدم البشري أقدس من أي مكان مقدس، ومهما عظمت قدسيته، فإن الإنسان يبقى أكرم المخلوقات.

وقد هُدِمَت مساجد وكنائس ومراكز ثقافية ومكتبات ومستشفيات في غزة بحجج لا يمكن لعاقل أو إنسان أن يتقبلها، بينما يُقتل الأطفال والنساء والمرضى بلا تمييز.

وخوفًا مما شهدناه ونشهده حاليًا في الحرب الإسرائيلية ضد قطاع غزة، من انتقال "حق الدفاع عن النفس" -وهو في الأصل حق لمن يقع تحت الاحتلال، وليس حقًّا لمن يحتل أرض الآخرين بلا حق قانوني أو شرعي أو وجودي- فقد تحولت هذه الحرب إلى حرب انتقام وعقاب جماعي وإبادة جماعية وتهجير قسري مقتَه العالم، وإن جاء متأخرًا بعد فقدان أكثر من سبعين ألف فلسطيني، وما يقارب مائتي ألف مصاب، بينهم الأطفال الرضع والنساء الحوامل والشيوخ كبار السن.

الشعب الفلسطيني أكرم من أن يُقارن بالحيوانات، فهو شعب الأنبياء؛ من أرضه خرج عيسى عليه السلام، وفيها عاش إبراهيم، وسار فيها موسى، ومحمد صلّى الله عليه وسلّم عرج منها إلى السماء

حق الدولة المستقلة

من هذا المنطلق، فإن قيام دولة فلسطينية مستقلة ليس مكافأة ولا مكرُمة، بل هو حق طبيعي وقانوني وإنساني، أقرّته الشرعية الدولية وكرسته المواثيق الدولية، بدءًا من قرارات الأمم المتحدة، وليس انتهاءً باتفاقيات أوسلو ومبادرة السلام العربية التي طرحتها المملكة العربية السعودية، والتي نصّت على "السلام مقابل الأرض".

وقد وافقت الفصائل الفلسطينية عليها، بما فيها حماس، التي أعلنت في أكثر من مناسبة قبولها بقيام دولة فلسطينية على حدود 1967، بما في ذلك شرقي القدس عاصمةً لها، وهو ما يمكن التحقق منه في تصريحات رسمية لقادة الحركة منشورة وموثقة.

ومع ذلك، رفضت إسرائيل هذه المبادرات، وقام رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو برمي وثيقة المبادرة العربية في سلة المهملات أمام عدسات الكاميرات قبل أكثر من 20 عامًا، في موقف يعكس استخفافًا بكل مبادرات السلام، وسعيًا لتكريس واقع الاحتلال والعنف الدائم. فلا سلام دون عدالة، ولا عدالة بلا إنسانية.

لا يمكن الحديث عن سلام حقيقي دون عدالة، ولا عدالة بلا إنصاف للشعب الفلسطيني، الذي ليس استثناءً من القيم الإنسانية، وليس عبئًا إضافيًا على العالم.

وقد قبل الفلسطينيون بحل الدولتين رغم فداحة الخسائر التاريخية، لكن الاحتلال أصر على استمرار الاحتلال، والقتل، والتهجير، متجاوزًا كل الخطوط الحمراء، وهو ما يتجلى اليوم في حرب غزة، حيث بات القتل جماعيًا، والتهجير علنيًا، والتوصيف العنصري متاحًا من أرفع مسؤولي إسرائيل الذين وصفوا الفلسطينيين بأنهم "حيوانات بوجوه بشرية"، وكأنهم يُعِدّون المسرح لمجزرة أخرى تمر بلا حساب.

إن الشعب الفلسطيني أكرم من أن يُقارن بالحيوانات، فهو شعب الأنبياء؛ من أرضه خرج عيسى عليه السلام، وفيها عاش إبراهيم، وسار فيها موسى، ومحمد صلّى الله عليه وسلّم عرج منها إلى السماء.

ليس في غزة فحسب، بل جرائم تمتد إلى كافة محافظات الضفة الغربية والقدس، من عمليات قتل وإعدام ميداني واعتقال وتهجير واستيطان وطرد السكان من أراضيهم وبيوتهم، وتصاعد عربدة المستوطنين بحماية من حكومة وشرطة الاحتلال.

لقد قُتل رابين وغُدر به كما قُتل عرفات؛ القاتل واحد، والمنهج واحد: اغتيال السلام، ودفن فكرة الدولة الفلسطينية.

لكن رغم ذلك، فإن "الدولة الفلسطينية المستقلة" ليست حلمًا مستحيلاً، بل استحقاقًا مؤجلًا. وقد قيل: "بشّر القاتل بالقتل ولو بعد حين"، والتاريخ لا ينسى، ولا يرحم من يتنكر للحق ويقمع الشعوب.

يجب كذلك ضمان سيادة الدولة الفلسطينية الكاملة على حدودها الجغرافية ومعابرها البرية والبحرية والجوية، أسوة بسائر الدول ذات السيادة، دون أن تكون خاضعة لأي شروط أو إملاءات إسرائيلية، وخاصة فيما يتعلق بعاصمتها القدس الشريف

المطلوب عربيًا ودوليًا

والآن، ما المطلوب من الدول العربية والإسلامية، ومن المجتمع الدولي -على صعيد الحكومات والمؤسسات والبرلمانات والشعوب- تجاه ما يجري في فلسطين؟

أولاً، يقع على عاتق الجميع العمل الجاد والحقيقي لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وضمان انسحاب الاحتلال من جميع الأراضي التي استولى عليها في الضفة الغربية وقطاع غزة.

كما يجب السعي الجاد إلى تمكين الدولة الفلسطينية المستقلة من بناء مؤسساتها الوطنية، وتطوير قدراتها الذاتية بالاعتماد على كفاءات شعبها، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم، ولا سيما إلى أراضي الدولة الفلسطينية. ويُعدّ الاعتراف الكامل بحقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والسيادة جزءًا أساسيًا لا يقبل المساومة.

كذلك، من الضروري وضع ضمانات قانونية دولية واضحة وملزمة تكفل عدم عودة إسرائيل إلى احتلال الدولة الفلسطينية أو الاعتداء على أراضيها وشعبها، وتضمن إعادة المقدسات الإسلامية والمسيحية واليهودية إلى الدولة الفلسطينية المستقلة الواقعة ضمن حدودها الجغرافية.

ويجب كذلك ضمان سيادة الدولة الفلسطينية الكاملة على حدودها الجغرافية ومعابرها البرية والبحرية والجوية، أسوة بسائر الدول ذات السيادة، دون أن تكون خاضعة لأي شروط أو إملاءات إسرائيلية، وخاصة فيما يتعلق بعاصمتها القدس الشريف.

وأخيرًا، يجب أن يُكفل للدولة الفلسطينية المستقلة حقها في الانخراط في أي شكل من أشكال الوحدة أو التعاون العربي في محيطها الجغرافي، وفقًا لإرادة شعبها الحرة، باعتبارها دولة ذات سيادة كاملة وغير منقوصة.