الانتخابات الفلسطينية في زمن الإبادة: قراءة دستورية وسياسية في أزمة الشرعية والسيادة
الانتخابات الفلسطينية في زمن الإبادة:
قراءة دستورية وسياسية في أزمة الشرعية والسيادة
بقلم: د. إبراهيم رضوان
المقدمة
ليست الانتخابات غايةً في ذاتها، وإنما وسيلة دستورية لتجديد الشرعية السياسية من خلال إرادة شعبية حرة. فالدساتير والنظم الديمقراطية لا تنظر إلى صناديق الاقتراع باعتبارها مجرد إجراء شكلي لتبادل المواقع السياسية، وإنما باعتبارها الأداة التي تُعبّر من خلالها الأمة عن إرادتها وتمنح سلطاتها العامة شرعيتها. ولذلك فإن قيمة الانتخابات لا تُقاس بوجود صناديق الاقتراع أو صدور المراسيم المنظمة لها، وإنما بمدى توافر البيئة القانونية والسياسية التي تضمن حرية الاختيار وتكافؤ الفرص واحترام نتائج العملية الديمقراطية.
ومن هذا المنطلق تبرز الإشكالية التي تثيرها الدعوة الأخيرة إلى إجراء انتخابات فلسطينية شاملة في ظل ظروف استثنائية وغير مسبوقة تمر بها القضية الفلسطينية. فبينما يعيش قطاع غزة واحدة من أكثر الحروب دموية وتدميراً في تاريخه الحديث، وما يرافقها من قتل واسع النطاق وتهجير جماعي وانهيار شبه كامل للبنية التحتية والمؤسسات المدنية، تتواصل في الضفة الغربية عمليات الاقتحام والاعتقال والاستيطان ومصادرة الأراضي بصورة يومية، وسط تراجع غير مسبوق لقدرة السلطة الفلسطينية على ممارسة اختصاصاتها الفعلية. وفي خضم هذا المشهد المعقد، أعلن الرئيس محمود عباس عن إجراء انتخابات تشريعية خلال عام 2026 تتبعها انتخابات رئاسية في عام 2027، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والقانونية الفلسطينية. فبين من يرى فيها محاولة لإعادة إحياء الحياة السياسية وتجديد الشرعيات المتآكلة، ومن يعتبرها إجراءً شكلياً يفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العملية الديمقراطية الحقيقية، يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه على النقاش العام:
هل يمكن إجراء انتخابات فلسطينية حرة وذات مصداقية في ظل الاحتلال، وفي زمن الحرب والإبادة، وفي ظل أزمة شرعية وسيادة تعيشها المؤسسات الفلسطينية منذ سنوات؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتعلق بالموقف من الانتخابات كحق دستوري أصيل، فذلك الحق لا خلاف عليه، وإنما تتعلق بمدى توافر الشروط الموضوعية والقانونية التي تجعل الانتخابات وسيلة حقيقية للتعبير عن الإرادة الشعبية، لا مجرد أداة لإعادة إنتاج الواقع السياسي القائم.
ومن هنا تأتي أهمية تناول هذه الدعوة من منظور دستوري وسياسي معاً، بعيداً عن الاصطفافات الحزبية والانقسامات الداخلية، لفحص مدى انسجامها مع متطلبات الشرعية الديمقراطية من جهة، ومع الواقع الفلسطيني القائم تحت الاحتلال من جهة أخرى.
أولاً: الإطار الدستوري للانتخابات الفلسطينية
تشكل الانتخابات العامة أحد أهم مرتكزات النظام الدستوري الفلسطيني كما نظمه القانون الأساسي الفلسطيني وتعديلاته. وقد رسخ القانون الأساسي مبدأ التداول السلمي للسلطة، وربط مشروعية المؤسسات المنتخبة بإرادة الناخبين التي تُعبَّر عنها عبر الاقتراع العام المباشر. وتقوم الفلسفة الدستورية للانتخابات على مجموعة من المبادئ الأساسية، أهمها:
- دورية الانتخابات وانتظامها.
- المساواة بين المواطنين في الحقوق السياسية.
- حرية الترشح والانتخاب.
- تكافؤ الفرص بين القوائم والمرشحين.
- نزاهة العملية الانتخابية واستقلال الجهات المشرفة عليها.
غير أن هذه المبادئ لا يمكن النظر إليها باعتبارها قواعد منفصلة عن البيئة السياسية المحيطة بها. فالانتخابات ليست حدثاً إدارياً معزولاً، بل عملية سياسية ودستورية متكاملة تبدأ قبل يوم الاقتراع بوقت طويل، وتمتد إلى ما بعد إعلان النتائج. ولهذا السبب، فإن الفقه الدستوري الحديث لا يكتفي بالنظر إلى سلامة الإجراءات الشكلية، وإنما يهتم أيضاً بمدى توافر الظروف التي تسمح للناخب باتخاذ قراره بحرية كاملة بعيداً عن الإكراه أو الخوف أو القيود المفروضة على الحركة والتنظيم والتعبير.
وفي الحالة الفلسطينية تبرز خصوصية استثنائية تتمثل في أن النظام السياسي يعمل في ظل احتلال عسكري مباشر يفرض قيوداً واسعة على المجال العام. فالاحتلال يتحكم بالحدود والمعابر وحركة الأفراد والبضائع، ويمتلك القدرة الفعلية على اعتقال المرشحين والناشطين السياسيين وإغلاق المؤسسات ومنع الحملات الانتخابية متى شاء. وهنا يثور التساؤل الدستوري الأساسي: هل يمكن الحديث عن انتخابات حرة بالمعنى الحقيقي في ظل غياب السيادة الوطنية الكاملة؟
لقد شكل هذا السؤال تحدياً ملازماً للتجربة الفلسطينية منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، إلا أن الواقع الحالي يختلف جذرياً عن المراحل السابقة. فما كان يُنظر إليه سابقاً باعتباره قيوداً مفروضة على العملية الديمقراطية أصبح اليوم واقعاً يقترب من الشلل الكامل في أجزاء واسعة من الأرض الفلسطينية.
فالقوات الإسرائيلية لم تعد تكتفي بالسيطرة على المناطق المصنفة (ج)، بل باتت تنفذ اقتحامات يومية للمناطق المصنفة (أ) التي يفترض أنها تخضع للولاية الأمنية والإدارية الفلسطينية. كما أصبحت عمليات الاعتقال والملاحقة السياسية تطال مختلف الاتجاهات السياسية، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول قدرة أي عملية انتخابية على العمل في بيئة مستقلة ومحايدة.
ومن الناحية الدستورية، فإن الانتخابات لا تكتسب مشروعيتها من مجرد صدور مرسوم رئاسي يحدد موعدها، وإنما من قدرتها على تمكين الشعب من ممارسة حقه السياسي بصورة حرة وفعالة. فإذا تعذر تحقق هذه الغاية، فإن الشرعية الشكلية للعملية الانتخابية قد لا تكون كافية لإضفاء الشرعية السياسية المطلوبة على نتائجها.
ثانياً: الانتخابات بين الشرعية الدستورية والشرعية السياسية
من الأخطاء الشائعة في النقاشات السياسية الخلط بين مفهومي الشرعية الدستورية والشرعية السياسية، رغم أن لكل منهما طبيعة مختلفة وآثاراً مختلفة. فالشرعية الدستورية تستند إلى النصوص القانونية والإجراءات الرسمية المنظمة لممارسة السلطة. أما الشرعية السياسية فتستند إلى قبول المجتمع ومختلف القوى السياسية بنتائج العملية السياسية وثقتها بعدالتها ونزاهتها.
وفي الظروف الطبيعية تتكامل الشرعيتان وتدعمان بعضهما بعضاً. أما في حالات الأزمات العميقة، فقد يحدث أن تتوافر الشرعية الشكلية بينما تتراجع الشرعية السياسية، أو العكس. ومنذ سنوات طويلة يعيش النظام السياسي الفلسطيني أزمة مركبة تمس هذين البعدين معاً. فمن جهة، توقفت الانتخابات العامة لفترات تجاوزت المدد الدستورية المقررة، ومن جهة أخرى تراجع مستوى الثقة الشعبية بالمؤسسات السياسية نتيجة الانقسام الداخلي وتعثر مشروع التسوية السياسية واستمرار الاحتلال.
وقد تعمقت هذه الأزمة بصورة أكبر بعد إلغاء الانتخابات الفلسطينية عام 2021، وهي الانتخابات التي كانت قد دخلت فعلياً مراحل التنفيذ العملي من خلال تسجيل القوائم والمرشحين وبدء الاستعدادات الميدانية. ورغم أن المبرر الرسمي للإلغاء تمثل في رفض الاحتلال إجراء الانتخابات في القدس المحتلة، فإن القرار أثار جدلاً واسعاً داخل الساحة الفلسطينية، واعتبرته قوى سياسية عديدة سبباً إضافياً في تعميق أزمة الثقة بين الشارع والمؤسسات الرسمية. ومنذ ذلك التاريخ لم تتراجع أزمة الشرعية، بل ازدادت تعقيداً بفعل التطورات السياسية والأمنية اللاحقة، وصولاً إلى الحرب المدمرة على قطاع غزة وما رافقها من تحولات عميقة في المزاج السياسي الفلسطيني. وفي هذا السياق تكتسب الدعوة الجديدة للانتخابات أهمية خاصة، ليس لأنها تعالج أزمة الشرعية بالضرورة، وإنما لأنها تطرح سؤالاً أكبر يتعلق بطبيعة الشرعية التي يُراد إنتاجها. فهل المقصود تجديد الشرعية الشعبية من خلال عملية سياسية حقيقية تتيح للشعب الفلسطيني اختيار ممثليه بحرية كاملة؟ أم أن الهدف الأساسي يتمثل في إعادة بناء شرعية مؤسساتية قادرة على التعامل مع متطلبات المرحلة المقبلة، وخصوصاً ما يرتبط بالترتيبات السياسية والإدارية التي يجري الحديث عنها دولياً وإقليمياً في إطار ما يُعرف بـ "اليوم التالي" للحرب؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي فحص البيئة السياسية والقانونية المحيطة بالدعوة إلى الانتخابات، وهو ما سنناقشه في المحاور التالية من هذه الدراسة.
درس 2006: حين فازت الديمقراطية وخسرت المؤسسات
لا يمكن قراءة أزمة الانتخابات الفلسطينية بمعزل عن التجربة الأكثر تأثيراً في التاريخ السياسي الفلسطيني الحديث، ألا وهي انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، التي أسفرت عن فوز حركة حماس بأغلبية المقاعد، لتشهد الساحة الفلسطينية والعربية والدولية موقفاً متناقضاً: ففي الوقت الذي اعتُبرت فيه الانتخابات نزيهةً وحرةً وفق تقارير المراقبين الدوليين، فإن نتائجها لم تجد قبولاً سياسياً داخلياً وخارجياً، ما أدى إلى مقاطعة دولية للسلطة المنتخبة، وحصار مالي وسياسي، وانقسام حاد تجسد في أحداث 2007 وانفصال غزة عن الضفة.
وهذه التجربة تحمل عبرة دستورية وسياسية عميقة، مفادها أن الانتخابات وحدها لا تصنع الاستقرار، إذا لم تكن مسبوقة بتوافق وطني حول آليات تقاسم السلطة واحترام نتائج الصندوق، وإذا لم تكن هناك ضمانات دولية وإقليمية تمنع إجهاض الإرادة الشعبية.
ومن هنا، فإن أي دعوة جديدة للانتخابات يجب أن تضع في اعتبارها عدم تكرار سيناريو 2006، وذلك من خلال العمل المسبق على:
- إبرام ميثاق شرف وطني يلزم جميع القوى بقبول نتائج الانتخابات والتعاون المؤسسي بعدها.
- تأمين ضمانات دولية وعربية تحول دون تكرار المقاطعة والحصار لأي سلطة منتخبة، مهما كانت هوية الفائزين.
- توضيح آليات التعامل مع المجلس التشريعي الجديد وصلاحياته في ظل نظام سياسي ما زال يعاني من غياب الفصل الحقيقي بين السلطات.
ثالثاً: أزمة السيادة الفلسطينية تحت الاحتلال: سلطة تمارس الاختصاص دون امتلاك مقومات الدولة
تُعدّ السيادة أحد أهم المفاهيم التي تقوم عليها الدولة الحديثة، فهي تعني قدرة السلطة العامة على ممارسة اختصاصاتها داخل الإقليم الوطني باستقلال وفعالية، وعلى فرض النظام القانوني الذي يصدر عنها دون تدخل خارجي يفرغ هذه الاختصاصات من مضمونها.
وعند إسقاط هذا المفهوم على الحالة الفلسطينية، تظهر إشكالية جوهرية تتمثل في الفجوة بين وجود مؤسسات سياسية وإدارية تمارس بعض وظائف الحكم، وبين غياب السيطرة الفعلية على الأرض والموارد والحدود. فالسلطة الفلسطينية، رغم قيامها بموجب اتفاقيات أوسلو وامتلاكها أجهزة ومؤسسات رسمية، لم تتحول إلى سلطة ذات سيادة كاملة، بل بقيت تعمل ضمن إطار قيود فرضها الاحتلال الإسرائيلي على المستويات الأمنية والاقتصادية والجغرافية. وهنا تظهر الإشكالية القانونية والسياسية التي يمكن تلخيصها بمفهوم: "سلطة بلا سيادة".
فمن الناحية القانونية، تمارس السلطة الفلسطينية اختصاصات محددة في مجالات الإدارة المدنية والخدمات العامة، إلا أن هذه الاختصاصات تظل محكومة بعوامل خارجية تحد من قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة في القضايا الجوهرية المرتبطة بحياة المواطنين.
1. تآكل الترتيبات الأمنية والإدارية
قامت اتفاقيات أوسلو على تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق (أ) و(ب) و(ج)، بحيث مُنحت السلطة الفلسطينية صلاحيات إدارية وأمنية متفاوتة داخل هذه المناطق. إلا أن التطورات اللاحقة أظهرت أن هذه التقسيمات فقدت كثيراً من مضمونها العملي. فقد أصبحت القوات الإسرائيلية تنفذ عمليات عسكرية داخل المدن والمناطق التي يفترض أنها تقع ضمن نطاق الإدارة الفلسطينية، بما يشمل الاقتحامات والاعتقالات والاغتيالات، دون قدرة فعلية من السلطة على منع ذلك أو حتى التأثير فيه.
ومن منظور دستوري، فإن ممارسة الانتخابات في أي نظام سياسي تفترض وجود حد أدنى من الاستقلال المؤسسي الذي يسمح للسلطات الوطنية بإدارة العملية الانتخابية وحماية المشاركين فيها. أما عندما تكون السلطة القائمة عاجزة عن ضمان سلامة المرشحين والناخبين وحرية النشاط السياسي، فإن ذلك يثير تساؤلات حول مدى قدرة الانتخابات على التعبير الحقيقي عن الإرادة الشعبية.
2. التبعية الاقتصادية وأثرها على الوظيفة السياسية
لا تقتصر أزمة السيادة على المجال الأمني، بل تمتد إلى المجال الاقتصادي الذي يمثل أحد أهم عناصر الاستقلال السياسي. فالسلطة الفلسطينية تعتمد بدرجة كبيرة على أموال المقاصة التي تجمعها إسرائيل نيابة عنها، وفق الترتيبات الاقتصادية المرتبطة باتفاقيات أوسلو. وقد استخدمت إسرائيل في مناسبات عديدة هذه الأموال كأداة ضغط سياسي من خلال الحجز أو الاقتطاع أو التأخير، الأمر الذي انعكس على قدرة السلطة على الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه موظفيها ومؤسساتها.
وهنا لا يتعلق الأمر بمسألة مالية فقط، بل بمسألة دستورية أوسع؛ إذ إن السلطة التي لا تملك استقلالاً اقتصادياً كافياً تصبح قدرتها على اتخاذ القرار السياسي المستقل محل اختبار دائم. فالاستقلال المالي ليس مجرد عنصر اقتصادي، بل أحد شروط الفاعلية المؤسسية لأي نظام حكم.
3. الاستيطان وتقويض البيئة الانتخابية
تجري الانتخابات في الدول الطبيعية ضمن إطار جغرافي واضح ومستقر، أما الحالة الفلسطينية فتواجه واقعاً مختلفاً تماماً، حيث يتواصل التوسع الاستيطاني، وتتزايد القيود على حركة المواطنين، وتتجزأ الضفة الغربية إلى مناطق منفصلة بفعل الحواجز العسكرية والطرق الالتفافية والإجراءات الأمنية. وهذه الظروف لا تؤثر فقط على ممارسة السلطة لاختصاصاتها، بل تمس جوهر العملية الانتخابية ذاتها؛ لأن الانتخابات تفترض وجود مجتمع سياسي قادر على التواصل والحوار وتنظيم الحملات الانتخابية بحرية.
إن المواطن الذي يحتاج إلى المرور عبر عشرات الحواجز للوصول إلى مدينة مجاورة، أو يخشى الاعتقال بسبب نشاطه السياسي، لا يعيش الظروف نفسها التي يعيشها الناخب في دولة مستقرة تمارس سيادتها الكاملة. ومن هنا فإن السؤال لا يصبح فقط: هل ستُجرى الانتخابات؟ بل يصبح السؤال الأعمق: هل ستجري الانتخابات في بيئة تسمح بأن تكون نتائجها تعبيراً حقيقياً عن الإرادة الشعبية؟
رابعاً: تعطيل الانتخابات الفلسطينية عام 2021 وأزمة الثقة المتراكمة
لا يمكن قراءة الدعوة الجديدة إلى الانتخابات بمعزل عن التاريخ القريب للعملية الديمقراطية الفلسطينية، وخاصة تجربة انتخابات عام 2021 التي كانت تمثل فرصة لإعادة ترتيب النظام السياسي وتجديد شرعية المؤسسات بعد سنوات طويلة من الجمود. فقد بدأت الاستعدادات العملية للانتخابات التشريعية، وتم تسجيل القوائم الانتخابية، وظهرت حالة من الحراك السياسي والشعبي، قبل أن يصدر قرار التأجيل بحجة عدم ضمان مشاركة القدس المحتلة. ولا شك أن القدس تمثل قضية وطنية وسياسية وقانونية مركزية، وأن ضمان مشاركة المقدسيين في الانتخابات حق أصيل لا يمكن التنازل عنه. إلا أن طريقة معالجة هذا الملف أثارت جدلاً واسعاً، حيث رأت قوى سياسية وشريحة واسعة من المجتمع الفلسطيني أن تأجيل الانتخابات أدى عملياً إلى استمرار حالة الفراغ الديمقراطي.
ومن الناحية الدستورية، فإن الانتخابات ليست مجرد موعد إجرائي يمكن تأجيله بلا آثار، بل هي آلية أساسية لتجديد التفويض الشعبي. وكل تأخير طويل للاستحقاقات الانتخابية يفتح الباب أمام أزمة تتعلق بمدى استمرار شرعية المؤسسات القائمة. فالشرعية الديمقراطية، بطبيعتها، تحتاج إلى التجدد الدوري عبر العودة إلى الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطات. وقد أدى غياب الانتخابات لسنوات طويلة إلى تعميق الانقسام السياسي، وزيادة الفجوة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع، وإضعاف الثقة العامة بالنظام السياسي.
إن المشكلة لم تكن فقط في غياب صناديق الاقتراع، وإنما في تراكم شعور لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين بأن المجال السياسي أصبح مغلقاً أمام التغيير السلمي، وأن الأدوات الديمقراطية لم تعد قادرة على إنتاج تحول حقيقي. وهنا تكمن خطورة استمرار الأزمة؛ لأن الديمقراطية لا تموت فقط عندما تُلغى الانتخابات، بل قد تضعف أيضاً عندما تفقد المجتمعات الإيمان بأن الانتخابات قادرة على تغيير الواقع.
خامساً: غزة بين سياسة العقوبات السابقة وواقع الحرب والإبادة
تمثل العلاقة بين السلطة الفلسطينية وقطاع غزة أحد أكثر الملفات تعقيداً في المشهد السياسي الفلسطيني، ليس فقط بسبب الانقسام السياسي بين حركتي فتح وحماس، وإنما بسبب السياسات التي عمقت الانفصال بين شطري الوطن خلال السنوات الماضية.
فمنذ عام 2007، تحولت الانقسامات الداخلية إلى واقع سياسي مستمر، وأصبحت غزة تعيش ظروفاً إنسانية واقتصادية صعبة بفعل الحصار الإسرائيلي من جهة، والانقسام الداخلي من جهة أخرى. وقد اتخذت السلطة الفلسطينية خلال الأعوام السابقة إجراءات عقابية ضد قطاع غزة، شملت تقليص رواتب الموظفين وإجراءات مالية وإدارية أثرت على الوضع الاقتصادي والاجتماعي في القطاع. وقد بررت السلطة هذه الإجراءات في حينه بأنها جزء من الضغط السياسي لإنهاء الانقسام، بينما اعتبرها منتقدوها عقاباً جماعياً أدى إلى زيادة معاناة المواطنين. ومن منظور حقوقي وقانوني، فإن أي إجراءات سياسية يجب أن تُقاس بمدى تأثيرها على الحقوق الأساسية للمواطنين، وخاصة في بيئة تعاني أصلاً من ظروف إنسانية استثنائية بسبب الحصار والاحتلال.
ثم جاءت حرب غزة لتضع الأزمة في مستوى غير مسبوق، حيث تعرض القطاع لدمار واسع ونزوح جماعي وانهيار في الخدمات الأساسية، الأمر الذي أعاد طرح سؤال جوهري حول دور السلطة الفلسطينية ومسؤوليتها الوطنية والسياسية تجاه سكان القطاع. ففي اللحظات التاريخية الكبرى، لا تُقاس شرعية المؤسسات فقط بما تقوله في البيانات الرسمية، وإنما بقدرتها على حماية شعبها والدفاع عن حقوقه واتخاذ مواقف تتناسب مع حجم التحديات التي تواجهه.
ومن هنا أصبحت قضية الانتخابات مرتبطة بسؤال أكبر: هل المطلوب تجديد شرعية المؤسسات، أم إعادة تعريف دورها ووظيفتها في مرحلة فلسطينية جديدة؟ وهذا يقودنا إلى المحور الأكثر حساسية: هل يمكن إجراء انتخابات حرة في ظل حرب الإبادة؟ وما هي المعايير القانونية التي يجب توافرها حتى تكون الانتخابات معبرة فعلاً عن إرادة الشعب؟
موقف حماس من الانتخابات: بين الرغبة في المشاركة والخوف من تكرار 2007
لا يمكن تناول الانتخابات الفلسطينية بمعزل عن الموقف الرسمي لحركة حماس، باعتبارها القوة الأكثر تأثيراً في قطاع غزة، والتي تمتلك ثقلاً سياسياً وشعبياً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيب انتخابي مستقبلي. وقد أعلنت حماس رسمياً استعدادها للمشاركة في انتخابات شاملة ووطنية، بشرط أن تكون "انتخابات وحدة وطنية لا إقصاء"، وأن تجرى في الضفة وغزة والقدس معاً، دون استثناء أي منطقة.
في الوقت نفسه ترفض أن تكون هذه الانتخابات تحت مظلة السلطة الفلسطينية الحالية أو منظمة التحرير بصيغتها القائمة، وتعتبر أن اتفاق أوسلو والترتيبات الأمنية المرتبطة به تشكل قيداً على أي عملية انتخابية حرة.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن إجراء انتخابات تشريعية دون توافق مسبق حول طبيعة الحكومة المقبلة وصلاحيات الرئيس والبرنامج السياسي الموحد؟
والإجابة من وجهة نظر دستورية وسياسية: أن أي انتخابات تستثني حماس أو تهمش دورها ستكون انتخابات نصفية، تفتقد إلى الشرعية الوطنية الشاملة. بالمقابل، فإن أي انتخابات تشارك فيها حماس دون اتفاق سياسي مسبق حول مستقبل السلطة والبرنامج الوطني، قد تؤدي إلى أزمة جديدة تشبه أزمة 2007، خاصة إذا أسفرت النتائج عن فوزها مجدداً.
وبالتالي، فإن المدخل الصحيح للانتخابات يتطلب:
- حواراً وطنياً شاملاً قبل الانتخابات، يُخرج باتفاق سياسي ينظم العلاقة بين صلاحيات الرئيس والحكومة والمجلس التشريعي.
- وضع برنامج وطني انتقالي لمرحلة ما بعد الانتخابات، يُلزم جميع الأطراف بالعمل ضمن إطار وطني موحّد.
- ضمانات عربية ودولية بأن أي حكومة قادمة، مهما كانت تركيبتها، لن تكون معزولة أو مقاطعة سياسياً ومالياً.
سادساً: الانتخابات في زمن الحرب والإبادة: بين الحق الدستوري واستحالة البيئة الديمقراطية
لا خلاف على أن الانتخابات حق سياسي أصيل للشعوب، وأن تجديد الشرعية عبر صناديق الاقتراع يمثل أحد أهم مظاهر ممارسة السيادة الشعبية. غير أن هذا الحق، شأنه شأن بقية الحقوق السياسية، لا يُمارس في فراغ، بل يحتاج إلى بيئة قانونية ومادية تضمن أن يكون اختيار الناخب حراً ومستقلاً. فالانتخابات الديمقراطية ليست مجرد عملية فنية تبدأ بفتح مراكز الاقتراع وتنتهي بإعلان النتائج، وإنما هي منظومة متكاملة من الضمانات تبدأ قبل يوم الانتخاب بوقت طويل، وتشمل حرية الترشح، وحرية الدعاية، وحرية التجمع، وحرية الإعلام، وحرية الحركة، وقدرة الناخب على الوصول إلى صناديق الاقتراع دون خوف أو ضغط.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس: هل يملك الشعب الفلسطيني الحق في الانتخابات؟ وإنما السؤال هو: هل تتوافر الظروف التي تجعل ممارسة هذا الحق ممارسة حقيقية وليست مجرد إجراء شكلي؟
1. أثر الحرب على مبدأ حرية الاختيار
تُعد حرية الاختيار جوهر العملية الانتخابية. فالناخب لا يستطيع ممارسة حقه الديمقراطي بصورة سليمة إذا كان يعيش تحت التهديد المباشر على حياته، أو إذا كانت البيئة المحيطة به تمنعه من الوصول إلى المعلومات، أو المشاركة في النقاش العام، أو التواصل مع المرشحين والقوائم السياسية.
وفي قطاع غزة، فإن حجم الدمار الناتج عن الحرب أدى إلى انهيار مقومات الحياة الطبيعية في مناطق واسعة. فغلبية المواطنين تعرضوا للنزوح، وتضررت البنية التحتية المدنية، وتعطلت المؤسسات التعليمية والإدارية والإعلامية، وهي جميعها عناصر ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بإمكانية إجراء عملية انتخابية سليمة. فالناخب الذي فقد منزله، أو يعيش في ظروف النزوح، أو يكافح للحصول على الاحتياجات الأساسية، يعيش وضعاً إنسانياً يجعل ممارسة الخيارات السياسية في أدنى سلم الأولويات. وهذا لا يعني أن المواطن الفلسطيني يفقد حقه السياسي، بل يعني أن أي عملية انتخابية يجب أن تراعي الواقع الاستثنائي الذي يعيشه، حتى لا يتحول الحق الديمقراطي إلى إجراء منفصل عن الواقع الإنساني.
2. مبدأ تكافؤ الفرص بين القوى السياسية
من المبادئ الأساسية في القانون الانتخابي أن تكون المنافسة السياسية قائمة على أساس المساواة بين جميع المرشحين والقوائم. لكن في بيئة الحرب والاحتلال تظهر أسئلة جوهرية:
هل تستطيع جميع القوى السياسية ممارسة نشاطها بحرية؟
هل يستطيع المرشحون الوصول إلى الناخبين؟
هل يستطيع المواطنون الاستماع إلى البرامج المختلفة دون قيود؟
هل يمكن ضمان عدم تدخل عوامل القوة العسكرية أو الأمنية في العملية الانتخابية؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تمثل معياراً أساسياً للحكم على مدى ديمقراطية الانتخابات، لأن الديمقراطية لا تتحقق بمجرد السماح بالتصويت، وإنما بتوفير شروط عادلة تسبق التصويت.
مؤشرات قياس بيئة الانتخابات: من النظري إلى العملي
لكي لا تبقى المعايير الدستورية مثل "حرية الاختيار" و"تكافؤ الفرص" مجرد شعارات نظرية، لا بد من ترجمتها إلى مؤشرات عملية قابلة للرصد والقياس، يمكن من خلالها الحكم على مدى جاهزية البيئة الفلسطينية لإجراء انتخابات حقيقية. وفيما يلي عرض لأهم هذه المؤشرات، مع قراءة أولية لواقعها الراهن مقارنة بالحد الأدنى المطلوب لإجراء انتخابات حرة ونزيهة:
أولاً: مؤشر الاعتقالات السياسية
يشير الواقع الحالي إلى وجود أكثر من أربعة آلاف معتقل سياسي في السجون الإسرائيلية، وفقاً لتقارير هيئة شؤون الأسرى والمحررين، في حين أن الحد الأدنى المطلوب لانتخابات حرة يستوجب ألا يكون هناك أي اعتقال على خلفية سياسية أثناء فترة الحملة الانتخابية ولمدة شهر سابق لها على الأقل، لضمان حرية النشاط السياسي لجميع المرشحين والناخبين.
ثانياً: مؤشر حرية التنقل
تعاني حركة المواطنين بين المدن الفلسطينية في الضفة الغربية من قيود شديدة تتمثل في الحواجز العسكرية الإسرائيلية ونظام التصاريح، وكذالك الأمر في غزة صعوبة التنقل ليس من مدينة لاخرى بل من منطقة لاخرى، في حين أن الانتخابات الحرة تتطلب حرية تنقل كاملة لمدة لا تقل عن ثلاثين يوماً قبل يوم الاقتراع، لتمكين المرشحين من الوصول إلى ناخبيهم، وتمكين الناخبين من ممارسة حقهم في مراكز الاقتراع المخصصة لهم.
ثالثاً: مؤشر التغطية الإعلامية المتكافئة
يعاني المشهد الإعلامي الرسمي من هيمنة واضحة لصوت السلطة وضعف تغطية آراء المعارضة وبرامجها، في حين أن المطلوب دستورياً هو تخصيص وقت متساوٍ في وسائل الإعلام الرسمية والمسموح بها لجميع القوائم والمرشحين، لضمان وصول الرؤى المختلفة إلى الناخبين دون تمييز أو إقصاء.
رابعاً: مؤشر حرمة المؤسسات السياسية
تشهد الضفة الغربية اقتحامات متكررة لمكاتب الفصائل والمرشحين من قبل قوات الاحتلال، فضلاً عن إغلاق بعض المؤسسات، وهو ما يتناقض تماماً مع الحد الأدنى المطلوب الذي يستوجب وقف هذه الاقتحامات وضمان حرمة المقرات الانتخابية طوال فترة العملية الانتخابية، لضمان ممارسة سياسية آمنة للجميع.
خامساً: مؤشر قدرة المرشحين على الوصول إلى قطاع غزة
في ظل الحرب والإغلاق المفروض على قطاع غزة، أصبح وصول المرشحين من الضفة إلى غزة أو العكس مستحيلاً عملياً، وهذا يفرض ضرورة البحث عن حلول استثنائية، مثل توفير ممرات آمنة تحت إشراف دولي، أو اعتماد آليات التصويت الإلكتروني المؤقت كحل مرحلي، إلى أن تتوافر الظروف الطبيعية.
سادساً: مؤشر وجود سجل انتخابي محدّث
يعاني سجل الناخبين الفلسطيني من قدم بياناته وعدم تحديثه في كل من الضفة وغزة وتحديداً بعد حرب الإبادة التي ومازالت تتعرض لها، في حين أن أي انتخابات حرة تستوجب إعداد سجل انتخابي شامل ومعتمد خلال فترة لا تقل عن ستة أشهر قبل موعد الاقتراع، لضمان حق كل مواطن مؤهل في التصويت دون أخطاء أو ازدواجية.
خلاصة المؤشرات:
إن غياب الحد الأدنى من هذه المؤشرات يجعل أي انتخابات مجرد إجراء شكلي لا يعبّر عن الإرادة الحرة، بل يعيد إنتاج الواقع القائم تحت مسمى الديمقراطية. فالمسافة بين الواقع الراهن والحد الأدنى المطلوب ليست مسافة تقنية يمكن تجاوزها بقرار إداري، بل هي مسافة سياسية وقانونية تعكس عمق أزمة السيادة والشرعية التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني، وتحتاج إلى معالجة جذرية قبل التفكير في أي استحقاق انتخابي.