تنكيل بعد الموت ..  دولة الاحتلال الاسرائيلي  تواصل التنكيل بالمعتقلين الفلسطينيين حتى بعد وفاتهم

في‭ ‬تقرير‭ ‬هام‭ ‬لمؤسسة‭ ‬‮«‬چيشاة‭-‬مسلك‮»‬‭ :‬

تنكيل‭ ‬بعد‭ ‬الموت‭ ..  ‬دولة‭ ‬الاحتلال‭ ‬الاسرائيلي‭ ‬

تواصل‭ ‬التنكيل‭ ‬بالمعتقلين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬وفاتهم

١٧ تموز ٢٠٢٦

اعتقلت‭ ‬إسرائيل‭ ‬منذ‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭ ‬2023‭ ‬آلاف‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬سواء‭ ‬داخل‭ ‬إسرائيل‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭. ‬احتُجز‭ ‬كثيرون‭ ‬منهم‭ ‬لأشهر‭ ‬طويلة‭ ‬وبعضهم‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬عامين،‭ ‬في‭ ‬مرافق‭ ‬اعتقال‭ ‬تابعة‭ ‬للجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬أو‭ ‬لسلطة‭ ‬السجون‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬تواصل‭ ‬مع‭ ‬عائلاتهم‭ ‬أو‭ ‬محاميهم،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تُقدّم‭ ‬لوائح‭ ‬اتهام‭ ‬بحقهم‭. ‬وحتى‭ ‬اليوم‭ ‬تمنع‭ ‬إسرائيل‭ ‬أيضاً‭ ‬اللجنة‭ ‬الدولية‭ ‬للصليب‭ ‬الأحمر‭ ‬من‭ ‬الزيارات،‭ ‬محولةً‭ ‬هذه‭ ‬المرافق‭ ‬فعلياً‭ ‬إلى‭ ‬مراكز‭ ‬اعتقال‭ ‬سرية‭.‬

أفاد‭ ‬معتقلون‭ ‬أُفرج‭ ‬عنهم‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬محامين‭ ‬من‭ ‬منظمات‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬زاروا‭ ‬قسماً‭ ‬منهم‭ ‬بأنهم‭ ‬تعرضوا‭ ‬لظروف‭ ‬اعتقال‭ ‬لا‭ ‬إنسانية،‭ ‬شملت‭ ‬الاكتظاظ،‭ ‬التجويع،‭ ‬الحرمان‭ ‬من‭ ‬العلاج‭ ‬الطبي،‭ ‬التنكيل،‭ ‬التعذيب‭ ‬المنهجي،‭ ‬والانتهاكات‭ ‬النفسية‭ ‬والجسدية‭. ‬في‭ ‬شهر‭ ‬أيار‭ ‬2026‭ ‬أضاف‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬قوات‭ ‬الأمن‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬القائمة‭ ‬السوداء‭ ‬للجهات‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬العنف‭ ‬الجنسي‭ ‬المرتبط‭ ‬بالنزاعات،‭ ‬وذلك‭ ‬بعد‭ ‬صدور‭ ‬تقرير‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لعام‭ ‬2025‭ ‬وثّق‭ ‬وأكد‭ ‬العنف‭ ‬الجنسي‭ ‬بحق‭ ‬فلسطينيين‭ ‬أثناء‭ ‬الاعتقال‭ ‬والتحقيق‭ ‬وفي‭ ‬مراكز‭ ‬الاعتقال‭ ‬الاسرائيلية‭.‬

حتى‭ ‬تموز‭ ‬2026‭- ‬يُحتجز‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬9،299‭ ‬سجيناً‭ ‬تصنفهم‭ ‬سلطة‭ ‬السجون‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬على‭ ‬أنهم‭ ‬‮«‬أمنيون‮»‬،‭ ‬وغالبيتهم‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وقطاع‭ ‬غزة‭. ‬ولا‭ ‬يشمل‭ ‬هذا‭ ‬العدد‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬المحتجزين‭ ‬لدى‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬ممّن‭ ‬لا‭ ‬تتوفر‭ ‬بشأنهم‭ ‬أي‭ ‬شفافية‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬هؤلاء‭ ‬المحتجزين،‭ ‬هناك‭ ‬3،314‭ ‬معتقلًا‭ ‬لم‭ ‬تصدر‭ ‬بحقهم‭ ‬بعد‭ ‬أحكام‭ ‬قضائية،‭ ‬و‭- ‬3،244‭ ‬محتجزًا‭ ‬رهن‭ ‬الاعتقال‭ ‬الإداري،‭ ‬و‭- ‬1،320‭ ‬محتجزاً‭ ‬بموجب‭ ‬تصنيف‭ ‬‮«‬مقاتلين‭ ‬غير‭ ‬شرعيين‮»‬‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬المعلومات‭ ‬المتوفرة‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬فقد‭ ‬استشهد‭ ‬104‭ ‬فلسطيني‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬أثناء‭ ‬وجودهم‭ ‬قيد‭ ‬احتجاز‭ ‬السلطات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬أو‭ ‬خلال‭ ‬الاعتقال،‭ ‬68‭ ‬منهم‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭. ‬ووفقاً‭ ‬للتقديرات،‭ ‬فإن‭ ‬العدد‭ ‬الفعلي‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭.‬

بعد‭ ‬مرور‭ ‬تسعة‭ ‬أشهر‭ ‬على‭ ‬دخول‭ ‬اتفاق‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬المؤرخ‭ ‬في‭ ‬9‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭ ‬2025‭ ‬حيّز‭ ‬التنفيذ،‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬عائلات‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬تنتظر‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬معلومات‭ ‬عن‭ ‬ذويها‭ ‬الذين‭ ‬فُقدت‭ ‬آثارهم‭ ‬خلال‭ ‬الحرب،‭ ‬وفي‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬تبيّن‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬توفوا‭ ‬أثناء‭ ‬الاحتجاز‭ ‬لدى‭ ‬السلطات‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬العائلات‭ ‬تنتظر‭ ‬أيضاً‭ ‬معلومات‭ ‬بشأن‭ ‬ظروف‭ ‬الوفاة‭ ‬وإعادة‭ ‬جثامينهم‭ ‬لدفنها‭. ‬خلال‭ ‬العامين‭ ‬الأخيرين‭ ‬تدير‭ ‬مؤسسة‭ ‬‮«‬چيشاة‭-‬مسلك‮»‬‭ ‬إجراءات‭ ‬قانونية‭ ‬للمطالبة‭ ‬بإعادة‭ ‬جثامين‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشخاص‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬توفوا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اعتقلتهم‭ ‬إسرائيل‭.‬

يسرد‭ ‬هذا‭ ‬التقرير‭ ‬الإخفاقات‭ ‬الجسيمة‭ ‬والمثيرة‭ ‬للقلق‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬السلطات‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬تزويد‭ ‬العائلات‭ ‬بمعلومات‭ ‬جزئية‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬صحيحة،‭ ‬وأحياناً‭ ‬حتى‭ ‬مضللة؛‭ ‬مروراً‭ ‬بمماطلات‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬التحقيق‭ ‬في‭ ‬ملابسات‭ ‬الوفاة‭ ‬وعدم‭ ‬تزويد‭ ‬العائلات‭ ‬بمعلومات‭ ‬حول‭ ‬نتائج‭ ‬تلك‭ ‬التحقيقات؛‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬فيه‭ ‬الدولة‭ ‬مكان‭ ‬وجود‭ ‬أحد‭ ‬الجثامين‭. ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬الحالات،‭ ‬أقرت‭ ‬الدولة‭ ‬بأنها‭ ‬تحتجز‭ ‬جثماناً‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬بلورة‭ ‬سياسة‭ ‬جديدة‭ ‬بشأن‭ ‬الأسرى‭ ‬والمفقودين‭. ‬وبعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬تعترف‭ ‬السلطات‭ ‬فعليًا‭ ‬بأنها‭ ‬تحتفظ‭ ‬بالجثامين‭ ‬وتمنع‭ ‬إعادتها‭ ‬إلى‭ ‬عائلاتها‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬كورقة‭ ‬مساومة،‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬أي‭ ‬سياسة‭ ‬مُنظَّمة‭ ‬أو‭ ‬سند‭ ‬قانوني‭ ‬يجيز‭ ‬لها‭ ‬القيام‭ ‬بذلك‭.‬

‭    ‬فيما‭ ‬يلي‭ ‬الحالات‭ ‬الثلاث‭ ‬التي‭ ‬تتابعها‭ ‬المؤسسة‭ ‬مرفقة‭ ‬بشهادات‭ ‬بعض‭ ‬أقاربهم‭. ‬لغرض‭ ‬حماية‭ ‬خصوصيتهم‭ ‬وخصوصية‭ ‬الموتى،‭ ‬فإن‭ ‬جميع‭ ‬الأسماء‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التقرير‭ ‬هي‭ ‬أسماء‭ ‬مستعارة‭.‬

‭   ‬‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬مكان‭ ‬جثمان‭ ‬رامي

رامي‭ ‬من‭ ‬سكان‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬وأب‭ ‬لخمسة‭ ‬أبناء،‭ ‬عمل‭ ‬لمدة‭ ‬تقارب‭ ‬سنة‭ ‬ونصف‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬بناء‭ ‬بأحد‭ ‬الكيبوتسات‭ ‬المحاذية‭ ‬لقطاع‭ ‬غزة‭. ‬وبعد‭ ‬وقت‭ ‬قصير‭ ‬من‭ ‬هجوم‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الأول،‭ ‬أُلغي‭ ‬تصريح‭ ‬عمله‭ ‬ضمن‭ ‬قرار‭ ‬الإلغاء‭ ‬الجماعي‭ ‬لتصاريح‭ ‬عمل‭ ‬جميع‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يعملون‭ ‬داخل‭ ‬إسرائيل‭ ‬ومكثوا‭ ‬فيها‭ ‬بصورة‭ ‬قانونية‭ ‬عشية‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب،‭ ‬ثم‭ ‬اعتُقل‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬حملة‭ ‬الاعتقالات‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬نفذتها‭ ‬السلطات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بحق‭ ‬سكان‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬موجودين‭ ‬داخل‭ ‬أراضيها‭.‬

وفقاً‭ ‬لشهادات‭ ‬عمال‭ ‬احتُجزوا‭ ‬معه‭ ‬ثم‭ ‬أُفرج‭ ‬عنهم‭ ‬لاحقاً‭ ‬إلى‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬نُقل‭ ‬رامي‭ ‬أولًا‭ ‬إلى‭ ‬معتقل‭ ‬عوفر،‭ ‬ثم‭ ‬بعد‭ ‬ثلاثة‭ ‬أيام‭ ‬نُقل‭ ‬إلى‭ ‬منشأة‭ ‬عناتوت،‭ ‬وبعد‭ ‬يومين‭ ‬توفي‭ ‬هناك‭. ‬أفاد‭ ‬الشهود‭ ‬بأن‭ ‬طلباته‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬علاج‭ ‬من‭ ‬مرض‭ ‬السكري‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعاني‭ ‬منه‭ ‬لم‭ ‬تلقَ‭ ‬استجابة،‭ ‬وأنه‭ ‬تعرض‭ ‬للتنكيل‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬احتجازه‭.‬

وفي‭ ‬إثر‭ ‬طلب‭ ‬عائلته،‭ ‬توجهنا‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬إلى‭ ‬السلطات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭ ‬2023،‭ ‬مطالبين‭ ‬بإعادة‭ ‬جثمانه‭ ‬وفتح‭ ‬تحقيق‭ ‬في‭ ‬ملابسات‭ ‬وفاته‭. ‬وبعد‭ ‬عدم‭ ‬رد‭ ‬السلطات‭ ‬على‭ ‬التوجهات‭ ‬الإضافية‭ ‬التي‭ ‬أرسلناها،‭ ‬قدمنا‭ ‬التماسًا‭ ‬في‭ ‬شباط‭ ‬2026‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا‭ ‬الإسرائيلية‭. ‬حاججنا‭ ‬في‭ ‬الالتماس‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬رفض‭ ‬تسليم‭ ‬الجثمان‭ ‬إلى‭ ‬عائلته‭ ‬يمس‭ ‬بحقوقه‭ ‬وبحقوق‭ ‬أفراد‭ ‬أسرته،‭ ‬ويشكل‭ ‬انتهاكاً‭ ‬للقانونين‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬والدولي،‭ ‬ويتمّ‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬تخويل‭ ‬قانوني‭.‬

في‭ ‬نيسان‭ ‬2026،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬طلبت‭ ‬الدولة‭ ‬وحصلت‭ ‬على‭ ‬فترات‭ ‬تمديد‭ ‬لموعد‭ ‬تقديم‭ ‬ردها،‭ ‬أبلغت‭ ‬الدولة‭ ‬المحكمة‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬اتضح‭ ‬للجهات‭ ‬العسكرية‮»‬‭ ‬أن‭ ‬الجثمان‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬السلطات‭ ‬تعتقد‭ ‬أنه‭ ‬يعود‭ ‬لرامي‭ ‬هو‭ ‬ليس‭ ‬جثمانه‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬وأن‭ ‬السلطات‭ ‬تحاول‭ ‬التحقق‭ ‬مما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬بالإمكان‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬الجثمان‭. ‬وفي‭ ‬رد‭ ‬إضافي‭ ‬قُدم‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة‭ ‬في‭ ‬أيار‭ ‬الماضي،‭ ‬أقرت‭ ‬الدولة‭ ‬بأن‭ ‬المرحوم‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬إسرائيل‭ ‬بموجب‭ ‬تصريح‭ ‬قانوني‭ ‬قبل‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب،‭ ‬وأنه‭ ‬بعد‭ ‬اندلاعها‭ ‬اعتقلته‭ ‬السلطات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬واحتُجز‭ ‬لدى‭ ‬أجهزة‭ ‬الجيش،‭ ‬و”لقي‭ ‬حتفه‭ ‬أثناء‭ ‬وجوده‭ ‬قيد‭ ‬الاحتجاز”‭.‬

كما‭ ‬أفادت‭ ‬الدولة‭ ‬بأنه‭ ‬في‭ ‬إثر‭ ‬وفاته‭ ‬فُتح‭ ‬تحقيق‭ ‬لدى‭ ‬‮«‬الشرطة‭ ‬العسكرية‭ ‬للتحقيقات‭ ‬الجنائية‮»‬،‭ ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬التحقيق‭ ‬جاريًا،‭ ‬وأن‭ ‬جثمانه‭ ‬خضع‭ ‬للتشريح‭ ‬في‭ ‬29‭ ‬آذار،‭ ‬وأن‭ ‬الطلب‭ ‬الذي‭ ‬قدمته‭ ‬الشرطة‭ ‬العسكرية‭ ‬لاستصدار‭ ‬أمر‭ ‬تشريح‭ ‬الجثمان‭ ‬صنّف‭ ‬رامي‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الخطأ‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬مقاتل‭ ‬غير‭ ‬شرعي‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬خطأ‭ ‬قالت‭ ‬الدولة‭ ‬إنه‭ ‬جرى‭ ‬تصحيحه‭ ‬لاحقاً‭. ‬بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬أقرت‭ ‬الدولة‭ ‬بأنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هنالك‭ ‬أي‭ ‬سبب‭ ‬لاعتقاله‭ ‬وأنه‭ ‬مات‭ ‬داخل‭ ‬المعتقل،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬واصلت‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بجثمانه‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬عامين‭.‬

هنا،‭ ‬اضطرت‭ ‬الحكومة‭ ‬للاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬طريقة‭ ‬تعاطي‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‮»‬‭ ‬مع‭ ‬جثمان‭ ‬المرحوم‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الإخفاقات،‭ ‬وأن‭ ‬‮«‬الجيش‭ ‬يعتزم‭ ‬فحص‭ ‬أوجه‭ ‬القصور‭ ‬واستخلاص‭ ‬العبر‮»‬‭. ‬كما‭ ‬طلبت‭ ‬تمديداً‭ ‬إضافيًا‭ ‬لمواصلة‭ ‬محاولاتها‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬الجثمان،‭ ‬وفي‭ ‬إطار‭ ‬هذه‭ ‬الجهود‭ ‬طلبت‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬تقديم‭ ‬عينات‭ ‬من‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ (‬DNA‭) ‬بهدف‭ ‬المساعدة‭ ‬في‭ ‬التعرف‭ ‬المحتمل‭ ‬على‭ ‬الجثمان‭.‬

إن‭ ‬فقدان‭ ‬السلطات‭ ‬الرسمية‭ ‬آثار‭ ‬الجثمان‭ ‬يطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬بالغة‭ ‬الخطورة‭: ‬كيف‭ ‬يُعقل‭ ‬أنه‭ ‬فقط‭ ‬بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عامين،‭ ‬يتبيّن‭ ‬أن‭ ‬الجثمان‭ ‬الذي‭ ‬جرى‭ ‬التعرف‭ ‬إليه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬يعود‭ ‬لشخص‭ ‬توفي‭ ‬أثناء‭ ‬احتجازه‭ ‬لدى‭ ‬الدولة،‭ ‬ليس‭ ‬جثمانه؟‭ ‬وعلى‭ ‬أي‭ ‬أساس‭ ‬جرى‭ ‬التعرف‭ ‬إلى‭ ‬الجثمان‭ ‬أصلاً‭ ‬في‭ ‬البداية؟‭ ‬وهل‭ ‬توجد‭ ‬جثامين‭ ‬أخرى‭ ‬تحتفظ‭ ‬بها‭ ‬السلطات‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬معرفة‭ ‬هويات‭ ‬أصحابها؟‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬تضطر‭ ‬إلى‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬انعدام‭ ‬اليقين‭ ‬بشأن‭ ‬مصير‭ ‬أحبائها‭ ‬الذين‭ ‬اعتقلتهم‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ثم‭ ‬اختفت‭ ‬آثارهم،‭ ‬وربما‭ ‬توفوا‭ ‬أثناء‭ ‬الاعتقال‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتلقى‭ ‬عائلاتهم‭ ‬أي‭ ‬معلومات‭ ‬عن‭ ‬مصيرهم؟

في‭ ‬24‭ ‬أيار‭ ‬وصل‭ ‬أشقاء‭ ‬رامي‭ ‬إلى‭ ‬معبر‭ ‬كرم‭ ‬أبو‭ ‬سالم‭ ‬لغرض‭ ‬تقديم‭ ‬عينات‭ ‬وراثية‭. ‬وبطلب‭ ‬من‭ ‬الحكومة‭ ‬كان‭ ‬برفقتهما‭ ‬طفلا‭ ‬رامي‭ ‬الصغيران،‭ ‬وهما‭ ‬الناجيان‭ ‬الوحيدان‭ ‬من‭ ‬أسرتهما‭ ‬المباشرة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قُتلت‭ ‬والدتهما‭ ‬وشقيقاهما‭ ‬جراء‭ ‬القصف‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭.‬‭. ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنهما‭ ‬خاطرا‭ ‬بحياتهما‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬معبر‭ ‬كرم‭ ‬أبو‭ ‬سالم،‭ ‬أُخذت‭ ‬العينات‭ ‬من‭ ‬الشقيقين‭ ‬فقط‭.‬

وبعد‭ ‬طلبات‭ ‬متكررة‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬فترات‭ ‬تمديد،‭ ‬أبلغت‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬18‭ ‬حزيران‭ ‬أن‭ ‬العينات‭ ‬التي‭ ‬أُخذت‭ ‬من‭ ‬شقيقي‭ ‬رامي‭ ‬لم‭ ‬تُفضِ‭ ‬إلى‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬الجثمان،‭ ‬وأنه‭ ‬لغرض‭ ‬استكمال‭ ‬البحث‭ ‬يجب‭ ‬أخذ‭ ‬عينات‭ ‬أيضًا‭ ‬من‭ ‬طفليه‭. ‬أوضحنا‭  ‬في‭ ‬ردنا‭ ‬لهذا‭ ‬الطلب‭ ‬إن‭ ‬سلوك‭ ‬الدولة‭ ‬يشكل‭ ‬حلقة‭ ‬إضافية‭ ‬في‭ ‬سلسلة‭ ‬إخفاقاتها‭ ‬وفي‭ ‬تعميق‭ ‬معاناة‭ ‬العائلة،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تعرّض‭ ‬طفلي‭ ‬رامي‭ ‬للخطر‭ ‬بسبب‭ ‬اضطرارهما‭ ‬إلى‭ ‬السفر‭ ‬عبر‭ ‬منطقة‭ ‬غير‭ ‬آمنة‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬وإزاء‭ ‬انعدام‭ ‬أي‭ ‬بديل،‭ ‬فقد‭ ‬وافقت‭ ‬العائلة‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬العينات‭. ‬وحتى‭ ‬تاريخ‭ ‬نشر‭ ‬هذه‭ ‬الوثيقة،‭ ‬لم‭ ‬يُحدد‭ ‬بعد‭ ‬موعدٌ‭ ‬لأخذ‭ ‬العينات‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الأثناء‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬سوى‭ ‬الأمل‭ ‬بأن‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تطرح‭ ‬إجراء‭ ‬فحوصات‭ ‬إضافية‭ ‬كذريعةً‭ ‬للادعاء‭ ‬بأنها‭ ‬استنفدت‭ ‬جميع‭ ‬جهودها‭.‬

‭-‬لم‭ ‬ينجُ‭ ‬من‭ ‬الأسرة‭ ‬سوى‭ ‬الطفلين‭ ‬الصغيرين،‭ ‬جمال‭ ‬وسهى‭. ‬لقد‭ ‬نجوا‭ ‬بأجسادهم،‭ ‬لكن‭ ‬قلوبهم‭ ‬جريحة‭. ‬فهما‭ ‬يسألان‭ ‬مرارًا‭ ‬وتكراراً،‭ ‬بألم‭ ‬يحرق‭ ‬القلوب‭: ‬أين‭ ‬أبي؟‭ ‬متى‭ ‬سنتسلم‭ ‬جثمانه؟‭ ‬متى‭ ‬سنتمكن‭ ‬من‭ ‬توديعه؟

أنا‭ ‬من‭ ‬يتحمل‭ ‬مسؤوليتهما‭ ‬اليوم‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الألم‭ ‬والفقدان‭ ‬والثقل‭ ‬الذي‭ ‬أحمله‭ ‬على‭ ‬كتفي،‭ ‬فقد‭ ‬أخذت‭ ‬على‭ ‬عاتقي‭ ‬وصية‭ ‬أخي‭ ‬بأن‭ ‬أحمي‭ ‬طفليه‭ ‬وأرعاهما،‭ ‬وأن‭ ‬أكون‭ ‬وصيّا‭ ‬عليهما‭. ‬أحاول‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬لهم‭ ‬أبًا‭ ‬بديلًا،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يحتاجانه‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬قد‭ ‬انهار‭ ‬من‭ ‬حولهم‭.‬

لقد‭ ‬كان‭ ‬رامي‭ ‬طوال‭ ‬حياته‭ ‬إنسانًا‭ ‬مناصرًا‭ ‬للسلام‭ ‬وساعيًا‭ ‬إليه‭. ‬كان‭ ‬رجلًا‭ ‬يرفض‭ ‬العنف،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬يريد‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬ويعيل‭ ‬أسرته‭ ‬بكرامة‭. ‬إن‭ ‬طفلاه‭ ‬لا‭ ‬يطلبان‭ ‬سوى‭ ‬حقهما‭ ‬في‭ ‬توديعه،‭ ‬ودفنه‭ ‬بكرامة،‭ ‬وأن‭ ‬يعلموا‭ ‬أن‭ ‬لديهم‭ ‬قبراً‭ ‬يزورونه‭. ‬إن‭ ‬إعادة‭ ‬جثمانه‭ ‬خطوة‭ ‬إنسانية‭ ‬من‭ ‬شأنها‭ ‬منحهم‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬العزاء‭ ‬وسط‭ ‬هذا‭ ‬الألم‭.‬

‭   ‬‭  ‬الطبيب‭ ‬المكلّف‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬عائلة‭ ‬خالد‭ ‬ناصر‭ ‬محظور‭ ‬عليه‭ ‬إطلاعها‭ ‬على‭ ‬نتائج‭ ‬تشريح‭ ‬جثمانه

كان‭ ‬خالد‭ ‬يعمل‭ ‬كمسعف‭ ‬في‭ ‬مستشفى‭ ‬ناصر،‭ ‬أب‭ ‬لستة‭ ‬أطفال،‭ ‬أربعة‭ ‬منهم‭ ‬قاصرون‭. ‬اعتُقل‭ ‬في‭ ‬2‭ ‬كانون‭ ‬الأول‭ ‬2023‭ ‬عند‭ ‬حاجز‭ ‬نتساريم‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬يقود‭ ‬سيارة‭ ‬إسعاف‭ ‬متجهة‭ ‬لإجلاء‭ ‬مصابين‭ ‬من‭ ‬شمال‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬إلى‭ ‬جنوبه‭. ‬ومع‭ ‬أن‭ ‬الرحلة‭ ‬كنت‭ ‬بتنسيق‭ ‬مع‭ ‬الجهات‭ ‬العسكرية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬خالد‭ ‬اعتُقل‭ ‬عند‭ ‬الحاجز‭ ‬مع‭ ‬اثنين‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬الطاقم‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬برفقته،‭ ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭ ‬اختفت‭ ‬آثاره‭.‬

بعد‭ ‬نحو‭ ‬عشرة‭ ‬أشهر،‭ ‬وفي‭ ‬أعقاب‭ ‬توجه‭ ‬تقدمت‭ ‬به‭ ‬مؤسسة‭ ‬‮«‬چيشاة‭-‬مسلك‮»‬‭ ‬باسم‭ ‬العائلة‭ ‬في‭ ‬أيلول‭ ‬2024‭ ‬إلى‭ ‬الجهات‭ ‬المعنيّة‭ ‬الاسرائيلية‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لمعرفة‭ ‬مكان‭ ‬وجود‭ ‬خالد،‭ ‬أبلغتنا‭ ‬السلطات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بأن‭ ‬خالد‭ ‬قد‭ ‬توفي،‭ ‬وأن‭ ‬تحقيقاً‭ ‬قد‭ ‬فُتح‭ ‬في‭ ‬ملابسات‭ ‬وفاته‭. ‬ووفقاً‭ ‬لما‭ ‬أفادت‭ ‬به‭ ‬السلطات،‭ ‬فقد‭ ‬مات‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬اعتُقل‭ ‬فيه‭ ‬داخل‭ ‬منشأة‭ ‬الاعتقال‭ ‬في‭ ‬سديه‭ ‬تيمان‭.‬

وفي‭ ‬إثر‭ ‬ذلك‭ ‬تقدمت‭ ‬‮«‬چيشاة‭-‬مسلك‮»‬‭ ‬باسم‭ ‬زوجة‭ ‬خالد‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة‭ ‬بطلب‭ ‬تعيين‭ ‬قاضٍ‭ ‬محقق‭ ‬بهدف‭ ‬تعزيز‭ ‬الرقابة‭ ‬والشفافية‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التحقيق،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الطلب‭ ‬رُفض‭. ‬ادعت‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬أن‭ ‬الشرطة‭ ‬العسكرية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬تجري‭ ‬تحقيقاً،‭ ‬وأن‭ ‬أعمال‭ ‬التحقيق‭ ‬مستمرة‭ ‬بصورة‭ ‬منتظمة‭. ‬وفي‭ ‬إطار‭ ‬هذه‭ ‬الإجراءات‭ ‬وبناءً‭ ‬على‭ ‬طلب‭ ‬العائلة،‭ ‬طالبنا‭ ‬منذ‭ ‬أيلول‭ ‬2024‭ ‬بإجراء‭ ‬تشريح‭ ‬لجثمان‭ ‬خالد‭. ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬المحكمة‭ ‬وحدها‭ ‬تملك‭ ‬صلاحية‭ ‬إصدار‭ ‬أمر‭ ‬بإجراء‭ ‬التشريح،‭ ‬فقد‭ ‬استلزم‭ ‬ذلك‭ ‬صدور‭ ‬أمر‭ ‬قضائي‭. ‬فقط‭ ‬في‭ ‬آذار2025‭ ‬تقدمت‭ ‬الدولة‭ ‬بطلب‭ ‬استصدار‭ ‬أمر‭ ‬بإجراء‭ ‬التشريح‭. ‬في‭ ‬ردنا‭ ‬على‭ ‬الطلب‭ ‬قلنا‭ ‬إنه‭ ‬يجب‭ ‬الموافقة‭ ‬على‭ ‬التشريح‭ ‬شريطة‭ ‬أن‭ ‬تقتنع‭ ‬المحكمة‭ ‬بضرورته‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬من‭ ‬الإجراءات،‭ ‬وطالبنا‭ ‬بالسماح‭ ‬لممثل‭ ‬طبي‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬العائلة‭ ‬بحضور‭ ‬عملية‭ ‬التشريح‭. ‬استجابت‭ ‬المحكمة‭ ‬لطلب‭ ‬الدولة،‭ ‬وأمرت‭ ‬بإجراء‭ ‬التشريح‭.‬

تم‭ ‬نقل‭ ‬جثمان‭ ‬خالد‭ ‬إلى‭ ‬المعهد‭ ‬الوطني‭ ‬للطب‭ ‬الشرعي‭ ‬لإجراء‭ ‬التشريح‭ ‬في‭ ‬أيار‭ ‬2025،‭ ‬أي‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬عام‭ ‬ونصف‭ ‬على‭ ‬وفاته‭. ‬ووفقًا‭ ‬لطلب‭ ‬العائلة‭ ‬ولقرار‭ ‬المحكمة،‭ ‬حضر‭ ‬طبيب‭ ‬مكلّف‭ ‬من‭ ‬قبلها‭ ‬عملية‭ ‬التشريح،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬مشاركته‭ ‬كانت‭ ‬مشروطة‭ ‬بتوقيعه‭ ‬على‭ ‬تعهد‭ ‬بالحفاظ‭ ‬على‭ ‬سرية‭ ‬نتائجها‭. ‬وقد‭ ‬رفضت‭ ‬المحكمة‭ ‬والجيش‭ ‬والمعهد‭ ‬الوطني‭ ‬للطب‭ ‬الشرعي‭ ‬الطلبات‭ ‬التي‭ ‬تقدمت‭ ‬بها‭ ‬مؤسسة‭ ‬“چيشاة‭-‬مسلك”‭ ‬لأن‭ ‬يتم‭ ‬استثناء‭ ‬هذه‭ ‬النتائج‭ ‬من‭ ‬السرية‭ ‬المفروضة،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬نقل‭ ‬المعلومات‭ ‬والاستنتاجات‭ ‬المستخلصة‭ ‬من‭ ‬التشريح‭ ‬إلى‭ ‬عائلة‭ ‬خالد‭.‬

وفي‭ ‬تقرير‭ ‬نُشر‭ ‬حول‭ ‬القضية‭ ‬نشر‭ ‬في‭  ‬صحيفة‭ ‬“هآرتس”‭ ‬في‭ ‬كانون‭ ‬الأول‭ ‬2025،‭ ‬وصفت‭ ‬زوجة‭ ‬خالد‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬تعيشه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬معلومات‭ ‬عنه‭ ‬منذ‭ ‬يوم‭ ‬اعتقاله‭. ‬“كل‭ ‬ما‭ ‬أريده‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬أعرف‭ ‬ماذا‭ ‬حدث‭ ‬لزوجي‭. ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬توفي،‭ ‬فلماذا‭ ‬توفي؟‭ ‬وكيف؟”‭ ‬قالت‭ ‬زوجته،‭ ‬وأضافت‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬خرج‭ ‬لإنقاذ‭ ‬الأرواح‭ ‬ومعالجة‭ ‬الجرحى،‭ ‬وليس‭ ‬لديه‭ ‬أي‭ ‬سجل‭ ‬أمني،‭ ‬وأفادت‭ ‬أيضًا‭: ‬“لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يُخفى‭ ‬إنسان‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭. ‬نحن‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬انعدام‭ ‬اليقين،‭ ‬تزيد‭ ‬الألم‭ ‬والخوف”‭.‬

للأسف‭ ‬لم‭ ‬يتغيّر‭ ‬واقع‭ ‬العائلة‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬فبعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬على‭ ‬إجراء‭ ‬التشريح‭ ‬لم‭ ‬تتلقَّ‭ ‬العائلة‭ ‬أية‭ ‬معلومات‭ ‬بشأن‭ ‬نتائجه‭. ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تعلم‭ ‬أين‭ ‬توفي‭ ‬خالد،‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬أو‭ ‬داخل‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ولا‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬ظروف‭ ‬وفاته،‭ ‬ولا‭ ‬سبب‭ ‬استمرار‭ ‬احتجاز‭ ‬جثمانه‭ ‬لدى‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ولا‭ ‬متى‭ ‬سيعاد،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬سيُعاد‭ ‬أصلًا‭ ‬إلى‭ ‬عائلته‭ ‬لدفنه‭.‬

توجهنا‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬25‭ ‬أيار‭ ‬2026‭ ‬إلى‭ ‬المدعي‭ ‬العسكري‭ ‬العام‭ ‬والمستشارة‭ ‬القضائية‭ ‬للحكومة‭ ‬مطالبين‭ ‬بالإعادة‭ ‬الفورية‭ ‬لجثمانه‭ ‬إلى‭ ‬أفراد‭ ‬عائلته‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬تأخير،‭ ‬وبالحصول‭ ‬على‭ ‬معلومات‭ ‬حول‭ ‬مكان‭ ‬احتجاز‭ ‬الجثمان‭ ‬والظروف‭ ‬التي‭ ‬يُحتجز‭ ‬فيها،‭ ‬وحول‭ ‬سير‭ ‬التحقيق‭ ‬في‭ ‬ملابسات‭ ‬وفاته،‭ ‬وبالحصول‭ ‬على‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬مواد‭ ‬التحقيق‭. ‬وحتى‭ ‬تاريخ‭ ‬نشر‭ ‬هذا‭ ‬التقرير،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬واجب‭ ‬السلطات‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬المعلومات،‭ ‬فإنها‭ ‬لم‭ ‬تكلف‭ ‬نفسها‭ ‬حتى‭ ‬عناء‭ ‬الرد‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭.‬

أعلنت‭ ‬الدولة‭ ‬أنه‭ ‬“لا‭ ‬مؤشرات”‭ ‬على‭ ‬اعتقال‭ ‬أيمن‭ ‬وبعدها‭ ‬اعترفت‭ ‬بأنها‭ ‬تحتجز‭ ‬جثمانه‭ ‬للمساومة

أيمن‭ ‬كان‭ ‬صحفي‭ ‬وأب‭ ‬لأربعة‭ ‬أطفال،‭ ‬اعتُقل‭ ‬في‭ ‬12‭ ‬كانون‭ ‬الأول‭ ‬2023‭ ‬خلال‭ ‬مداهمة‭ ‬نفذها‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬لمنزل‭ ‬عائلته‭ ‬في‭ ‬حي‭ ‬النصر‭ ‬بمدينة‭ ‬غزة‭. ‬وأفاد‭ ‬أفراد‭ ‬عائلته‭ ‬بأن‭ ‬الجنود‭ ‬أخرجوهم‭ ‬من‭ ‬المنزل‭ ‬بالقوة،‭ ‬قيدوا‭ ‬الرجال‭ ‬وفصلوهم‭ ‬عن‭ ‬النساء،‭ ‬ثم‭ ‬أخضعوهم‭ ‬للتحقيق‭. ‬وبعد‭ ‬عدة‭ ‬ساعات،‭ ‬اقتيد‭ ‬أيمن‭ ‬من‭ ‬المكان‭ ‬في‭ ‬مركبة‭ ‬عسكرية،‭ ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭ ‬اختفى‭.‬

توجهنا‭ ‬في‭ ‬أيلول‭ ‬2024‭ ‬إلى‭ ‬الشرطة‭ ‬العسكرية‭ ‬بطلب‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬معلومات‭ ‬بشأن‭ ‬اعتقال‭ ‬أيمن‭ ‬ومكان‭ ‬احتجازه‭. ‬وتلقينا‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬نفسه،‭ ‬ردًا‭ ‬يفيد‭ ‬بأنه‭ ‬“لا‭ ‬توجد‭ ‬أية‭ ‬مؤشرات”‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬محتجز‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الردود‭ ‬استثنائيًا‭. ‬فمنذ‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب،‭ ‬ساعدت‭ ‬“چيشاة‭-‬مسلك”‭ ‬ومؤسسات‭ ‬أخرى‭ ‬أفراد‭ ‬عائلات‭ ‬معتقلين‭ ‬من‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬في‭  ‬تقديم‭ ‬التماسات‭ ‬إحضار‭ ‬أمام‭ ‬القضاء‭ (‬Habeas Corpus‭) ‬إلى‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬بهدف‭ ‬معرفة‭ ‬مصير‭ ‬ذويهم‭ ‬وتحديد‭ ‬أماكن‭ ‬وجودهم،‭ ‬وذلك‭ ‬بعدما‭ ‬أبلغتهم‭ ‬السلطات‭ ‬بأنه‭ ‬“لا‭ ‬توجد‭ ‬أي‭ ‬مؤشرات”‭ ‬على‭ ‬اعتقالهم،‭ ‬أو‭ ‬أنها‭ ‬امتنعت‭ ‬عن‭ ‬تزويدهم‭ ‬بأية‭ ‬معلومات‭ ‬بشأنهم‭. ‬وقد‭ ‬حدث‭ ‬ذلك‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬كان‭ ‬لديها‭ ‬شهادات‭ ‬من‭ ‬أقارب‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬معتقلين‭ ‬أُفرج‭ ‬عنهم،‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬ذويهم‭ ‬قد‭ ‬اعتقلتهم‭ ‬إسرائيل‭ ‬واحتُجزوا‭ ‬في‭ ‬مرافق‭ ‬اعتقال‭ ‬إسرائيلية‭.‬

تقدمنا‭ ‬في‭ ‬أيار‭ ‬2025‭ ‬باسمه‭ ‬وباسم‭ ‬أفراد‭ ‬عائلته‭ ‬التماس‭ ‬“إحضار‭ ‬أمام‭ ‬القضاء”‭. ‬لم‭ ‬تُبلغ‭ ‬الدولة‭ ‬المحكمة‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬تموز‭ ‬2025‭ ‬بعد‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬طلبات‭ ‬تمديد‭ ‬المهلة‭ ‬لتقديم‭ ‬ردها،‭ ‬بأن‭ ‬أيمن‭ ‬قد‭ ‬توفي‭ ‬وأن‭ ‬جثمانه‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬محتجزًا‭ ‬لدى‭ ‬السلطات،‭ ‬وأن‭ ‬الشرطة‭ ‬العسكرية‭ ‬للتحقيقات‭ ‬الجنائية‭ ‬قد‭ ‬فتحت‭ ‬تحقيقًا‭ ‬في‭ ‬وفاته،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬التحقيق‭ ‬مستمرًا‭. ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المعلومات‭ ‬وفتح‭ ‬التحقيق‭ ‬كشفوا‭ ‬فقط‭ ‬بعد‭ ‬تقديم‭ ‬التماس‭ ‬إحضار‭ ‬أمام‭ ‬القضاء‭ ‬–‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬أشهر‭ ‬طويلة‭ ‬على‭ ‬بدء‭ ‬أفراد‭ ‬عائلته‭ ‬بمحاولات‭ ‬معرفة‭ ‬مصيره‭ ‬–‭ ‬يشكل‭ ‬دليلًا‭ ‬إضافيًا‭ ‬على‭ ‬الإخفاقات‭ ‬في‭ ‬تعامل‭ ‬السلطات،‭ ‬إذ‭ ‬يوجبها‭ ‬القانون‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بفتح‭ ‬تحقيق‭ ‬على‭ ‬الفور‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حالة‭ ‬وفاة‭ ‬تقع‭ ‬أثناء‭ ‬وجود‭ ‬شخص‭ ‬رهن‭ ‬الاحتجاز‭ ‬والإعلام‭ ‬بالموضوع‭.‬

علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬أقرت‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬ردها‭ ‬بأن‭ ‬الفحوصات‭ ‬التي‭ ‬أُجريت‭ ‬عقب‭ ‬توجهات‭ ‬العائلة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬كافية‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬جميع‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬بحوزة‭ ‬السلطات،‭ ‬وذلك،‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أسباب‭ ‬أخرى،‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يصدر‭ ‬بحق‭ ‬أيمن‭ ‬أمر‭ ‬احتجاز‭ ‬بموجب‭ ‬قانون‭ ‬“المقاتلين‭ ‬غير‭ ‬الشرعيين”‭. ‬وأضافت‭ ‬أن‭ ‬الإجراءات‭ ‬المعتمدة‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬المعلومات‭ ‬التابع‭ ‬للشرطة‭ ‬العسكرية‭ ‬قد‭ ‬عُدلت‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬هذه‭ ‬القضية،‭ ‬بهدف‭ ‬منع‭ ‬تقديم‭ ‬معلومات‭ ‬خاطئة‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬مشابهة‭ ‬مستقبلًا‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬وحتى‭ ‬بعد‭ ‬هذا‭ ‬الإقرار،‭ ‬رفضت‭ ‬الدولة‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬معلومات‭ ‬جوهرية‭ ‬ذات‭ ‬صلة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭: ‬تاريخ‭ ‬الوفاة،‭ ‬مكان‭ ‬الوفاة،‭ ‬ظروفها،‭ ‬الأساس‭ ‬القانوني‭ ‬الذي‭ ‬استندت‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬احتجاز‭ ‬أيمن،‭ ‬وكذلك‭ ‬الأساس‭ ‬القانوني‭ ‬لاستمرار‭ ‬احتجاز‭ ‬جثمانه‭. ‬في‭ ‬شباط‭ ‬2026،‭ ‬تقدمنا‭ ‬بالتماس‭ ‬إلى‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا‭ ‬مطالبين‭ ‬بإعادة‭ ‬جثمانه‭ ‬إلى‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬وبالكشف‭ ‬عن‭ ‬معلومات‭ ‬مفصلة‭ ‬بشأن‭ ‬ظروف‭ ‬وفاته‭.‬

خلال‭ ‬إحدى‭ ‬طلباتها‭ ‬العديدة‭ ‬لتمديد‭ ‬المهلة‭ ‬أمامها‭ ‬لتقديم‭ ‬ردها،‭ ‬أرفقت‭ ‬الدولة‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬ادعاء‭ ‬أن‭ ‬أيمن‭ ‬كان‭ ‬“ناشطًا‭ ‬عسكريًا‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬حماس”،‭ ‬وهو‭ ‬ادعاء‭ ‬ترفضه‭ ‬عائلته‭ ‬رفضًا‭ ‬قاطعًا‭. ‬في‭ ‬اعتراضنا‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الطلب،‭ ‬شددنا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الادعاء‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬أساس،‭ ‬وأنه‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬صحيحًا،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يمنح‭ ‬الدولة‭ ‬أي‭ ‬صلاحية‭ ‬قانونية‭ ‬للاحتفاظ‭ ‬بجثمانه‭.‬

بعد‭ ‬طلبات‭ ‬إضافية‭ ‬لتمديد‭ ‬المهلة،‭ ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬أشارت‭ ‬المحكمة‭ ‬في‭ ‬قرارها‭ ‬الأخير‭ ‬بالموافقة‭ ‬على‭ ‬طلب‭ ‬تأجيل‭ ‬إضافي‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬يثير‭ ‬“عدم‭ ‬ارتياح”،‭ ‬قدّمت‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬1‭ ‬تموز‭ ‬2026‭ ‬ردّها‭ ‬التمهيدي‭. ‬في‭ ‬ردّها،‭ ‬ادعت‭ ‬الدولة‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬بأن‭ ‬أيمن‭ ‬كان‭ ‬“ناشطًا‭ ‬عسكريًا‭ ‬في‭ ‬حماس”‭. ‬وأشارت‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬مستعدة‭ ‬لعرض‭ ‬مواد‭ ‬تدعم‭ ‬هذا‭ ‬الادعاء‭ ‬أمام‭ ‬المحكمة‭ ‬بشكل‭ ‬سري‭ ‬فقط،‭ ‬أي‭ ‬دون‭ ‬تمكين‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬ومحاميهم‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬هذا‭ ‬الادعاء‭.‬

بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬ذلك،‭ ‬كُشف‭ ‬في‭ ‬ردّها‭ ‬عن‭ ‬معلومات‭ ‬رسمية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬معروفة‭ ‬للعائلة‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬تفيد‭ ‬بأنه‭ ‬تم‭ ‬نقل‭ ‬أيمن‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬لاعتقاله‭ ‬إلى‭ ‬“منشأة‭ ‬احتجاز‭ ‬مؤقتة‭ ‬في‭ ‬معبر‭ ‬إيرز”،‭ ‬حيث‭ ‬توفي‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬ذاته‭. ‬كما‭ ‬أُفيد‭ ‬بأنه‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬شباط‭ ‬2024‭ ‬فُتح‭ ‬تحقيق‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الشرطة‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬ملابسات‭ ‬وفاته،‭ ‬تحقيق‭ ‬“مستمر‭ ‬لفترة‭ ‬أطول‭ ‬من‭ ‬المتوقع”،‭ ‬كون‭ ‬“جهات‭ ‬ذات‭ ‬صلة‭ ‬تشارك‭ ‬في‭ ‬القتال‭ ‬على‭ ‬الحدود‭ ‬الشمالية”،‭ ‬ضمن‭ ‬أسباب‭ ‬أخرى‭.‬

بعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عامين‭ ‬ونصف‭ ‬على‭ ‬وفاة‭ ‬أيمن‭ ‬أثناء‭ ‬احتجازه‭ ‬لدى‭ ‬الدولة،‭ ‬تقدّم‭ ‬الأخيرة‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬معلومات‭ ‬أساسية‭ ‬فقط‭ ‬بشأن‭ ‬موعد‭ ‬ومكان‭ ‬وفاته‭ ‬وحول‭ ‬فتح‭ ‬التحقيق،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تحجب‭ ‬معلومات‭ ‬جوهرية‭ ‬عن‭ ‬ملابسات‭ ‬وفاته‭: ‬كيف‭ ‬توفي‭ ‬أيمن؟‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬حالته‭ ‬أثناء‭ ‬احتجازه؟‭ ‬هل‭ ‬خضع‭ ‬لفحص‭ ‬أو‭ ‬تلقى‭ ‬علاجًا‭ ‬طبيًا؟‭ ‬ماذا‭ ‬أسفر‭ ‬عنه‭ ‬التحقيق‭ ‬حتى‭ ‬الآن؟‭ ‬وبهذا،‭ ‬ترى‭ ‬الدولة‭ ‬أن‭ ‬مجرد‭ ‬وجود‭ ‬تحقيق‭ ‬يبرر‭ ‬استمرار‭ ‬رفضها‭ ‬تزويد‭ ‬العائلة‭ ‬بالمعلومات‭. ‬وعلى‭ ‬خلفية‭ ‬التجربة‭ ‬المتراكمة‭ ‬من‭ ‬حالات‭ ‬مشابهة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الحالات‭ ‬الموصوفة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المستند،‭ ‬فإن‭ ‬تحقيقات‭ ‬الشرطة‭ ‬العسكرية‭ ‬تتأخر‭ ‬وتطول‭ ‬بشكل‭ ‬يثير‭ ‬قلقًا‭ ‬بالغًا‭ ‬بشأن‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬كشف‭ ‬الحقيقة،‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬احتمال‭ ‬طمسها‭ ‬وإخفائها‭.‬

فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬باحتجاز‭ ‬الجثمان،‭ ‬تشير‭ ‬الدولة‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬يُحتجز‭ ‬“لغرض‭ ‬دراسة‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬احتجازه‭ ‬كجثمان‭ ‬مُنفّذ‭ ‬هجوم‭ ‬لأغراض‭ ‬شؤون‭ ‬الأسرى‭ ‬والمفقودين”‭. ‬ومن‭ ‬ردّها‭ ‬يتضح‭ ‬أنها‭ ‬تقرّ‭ ‬بأن‭ ‬الأساس‭ ‬الذي‭ ‬استندت‭ ‬إليه‭ ‬سياسة‭ ‬احتجاز‭ ‬الجثامين‭ ‬قد‭ ‬تغيّر‭ ‬بعد‭ ‬إعادة‭ ‬المختطفين‭. ‬ولذلك،‭ ‬ووفقًا‭ ‬لها،‭ ‬بدأت‭ ‬أعمال‭ ‬داخلية‭ ‬لمراجعة‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬“واقع‭ ‬شؤون‭ ‬الأسرى‭ ‬والمفقودين‭ ‬الحالي”،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬لم‭ ‬تكتمل‭ ‬بعد،‭ ‬وبالتالي،‭ ‬ووفقًا‭ ‬لموقف‭ ‬الدولة‭ ‬نفسها،‭ ‬فإن‭ ‬مسألة‭ ‬احتجاز‭ ‬جثمان‭ ‬أيمن‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للبتّ‭.‬

تواصل‭ ‬الدولة‭ ‬احتجاز‭ ‬جثمان‭ ‬أيمن‭ ‬دون‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أساس‭ ‬قانوني‭ ‬ساري‭ ‬يمنحها‭ ‬هذه‭ ‬الصلاحية؛‭ ‬ودون‭ ‬توضيح‭ ‬الغاية‭ ‬التي‭ ‬يخدمها‭ ‬هذا‭ ‬الاحتجاز؛‭ ‬ودون‭ ‬اثبات‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬فردي‭ ‬بشأنه‭. ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬يتضح‭ ‬من‭ ‬ردّها‭ ‬أن‭ ‬الجثمان‭ ‬يُحتجز‭ ‬كورقة‭ ‬مساومة‭ ‬مستقبلية‭ ‬إلى‭ ‬حين‭ ‬بلورة‭ ‬سياسة‭ ‬جديدة،‭ ‬وذلك‭ ‬خلافًا‭ ‬لواجبها‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬بموجب‭ ‬صلاحية‭ ‬واضحة‭ ‬ووفقًا‭ ‬للقانون‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬الأثناء،‭ ‬وعلى‭ ‬غرار‭ ‬الحالات‭ ‬الأخرى،‭ ‬وبعد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عامين‭ ‬على‭ ‬اعتقاله،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬عائلة‭ ‬أيمن‭ ‬تنتظر‭ ‬إجابات‭ ‬بشأن‭ ‬مصيره‭ ‬وملابسات‭ ‬وفاته،‭ ‬واستعادة‭ ‬جثمانه‭ ‬ليتسنى‭ ‬لها‭ ‬دفنه‭ ‬بكرامة‭.‬

كان‭ ‬أيمن،‭ ‬كما‭ ‬نصفه‭ ‬نحن،‭ ‬“عظمه‭ ‬طري”؛‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬له‭ ‬طابع‭ ‬مقاتل‭ ‬ولم‭ ‬ينخرط‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬نشاط‭.‬

“دخل‭ ‬الجيش‭ ‬إلى‭ ‬منزلنا،‭ ‬وتحدثنا‭ ‬معهم‭ ‬باللغة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬لنوضح‭ ‬لهم‭ ‬أننا‭ ‬غير‭ ‬منخرطين‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬وألاّ‭ ‬يؤذوا‭ ‬الأطفال‭ ‬والنساء‭. ‬أخذوا‭ ‬أيمن‭ ‬من‭ ‬منزله‭ ‬وهو‭ ‬يرتدي‭ ‬ملابسه‭ ‬الداخلية‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لديه‭ ‬سلاح،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬يرتدي‭ ‬زيًا‭ ‬عسكريًا‭. ‬فكيف‭ ‬قرروا‭ ‬أنه‭ ‬ناشط‭ ‬عسكري؟

نحن‭ ‬سبعة‭ ‬إخوة‭. ‬أنا‭ ‬أصغرهم،‭ ‬وأيمن‭ ‬يكبرني‭ ‬بثلاث‭ ‬سنوات‭. ‬كان‭ ‬أقرب‭ ‬الناس‭ ‬إليّ،‭ ‬وكان‭ ‬أعز‭ ‬أصدقائي‭. ‬عندما‭ ‬أخذوه‭ ‬وأطلقوا‭ ‬سراحنا،‭ ‬سألت‭ ‬أمي‭ ‬الضابط‭ ‬المسؤول،‭ ‬وسألناه‭ ‬جميعًا‭: ‬“لماذا‭ ‬تأخذونه؟”‭ ‬فأجابنا‭: ‬“بعد‭ ‬ساعتين‭ ‬سنطلق‭ ‬سراحه‭.‬”‭ ‬لكن‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬عنه‭ ‬شيئًا‭. ‬

هذا‭ ‬الواقع‭ ‬هو‭ ‬تعذيب‭ ‬لنا‭ ‬نحن‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة،‭ ‬ولأمي،‭ ‬ولزوجته،‭ ‬ولطفليه‭ ‬الصغيرين‭.  ‬أنا‭ ‬أموت‭ ‬ألف‭ ‬مرة‭ ‬عندما‭ ‬يسألني‭ ‬طفلاه‭: ‬“أين‭ ‬أبي؟”‭ ‬فهذا‭ ‬هو‭ ‬أصعب‭ ‬شيء‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليّ‭ ‬كلما‭ ‬التقيتهما،‭ ‬وليس‭ ‬لدي‭ ‬حتى‭ ‬جواب‭ ‬واضح‭ ‬أقدمه‭ ‬لهما‭.‬

لماذا‭ ‬يُمارَس‭ ‬هذا‭ ‬التعذيب‭ ‬بحقنا؟‭ ‬من‭ ‬حقنا‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬جرى‭ ‬له‭. ‬لماذا‭ ‬نعاقَب؟‭ ‬نحن‭ ‬لسنا‭ ‬مسؤولين‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬مما‭ ‬حدث‭. ‬ضعوا‭ ‬حدًا‭ ‬لهذا‭ ‬اللغز‭. ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬مات،‭ ‬فأعيدوه‭ ‬إلينا‭ ‬لندفنه،‭ ‬حتى‭ ‬ينتهي‭ ‬هذا‭ ‬الكابوس‭ ‬وتلتئم‭ ‬هذه‭ ‬الجراح”‭.‬

موقف “چيشاة-مسلك”

في‭ ‬مستهل‭ ‬مقالها‭ ‬حول‭ ‬العنف‭ ‬الذي‭ ‬تمارسه‭ ‬إسرائيل‭ ‬بحق‭ ‬جثامين‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬ترى‭  ‬الباحثة‭ ‬القانونية‭ ‬منى‭ ‬حداد‭ ‬أنه‭ ‬بالنسبة‭ ‬للفلسطينيين،‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬السنوات،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬منذ‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭ ‬2023،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الموت‭ ‬نهايةً‭ ‬للمعاناة‭. ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬الموت‭ ‬عادةً‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬نقطة‭ ‬النهاية‭ ‬للاعتداء‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬أو‭ ‬الجسد،‭ ‬فإن‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬الحالة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬يستمر‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬الوفاة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الجثامين‭ ‬واحتجازها،‭ ‬منع‭ ‬دفنها،‭ ‬تدمير‭ ‬المقابر،‭ ‬إخفاء‭ ‬الرفات،‭ ‬ومنع‭ ‬إقامة‭ ‬طقوس‭ ‬الحداد‭. ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬عرضناها‭ ‬أعلاه‭ ‬تُجسّد‭ ‬هذه‭ ‬الادعاءات،‭ ‬وتكشف‭ ‬عن‭ ‬الأذى‭ ‬القاسي‭ ‬الذي‭ ‬يلحق‭ ‬بأفراد‭ ‬عائلات‭ ‬الضحايا‭ ‬أيضًا‭.‬

إن‭ ‬احتجاز‭ ‬إسرائيل‭ ‬للجثامين،‭ ‬وامتناعها‭ ‬عن‭ ‬تزويد‭ ‬العائلات‭ ‬بمعلومات‭ ‬حول‭ ‬مصير‭ ‬المتوفين‭ ‬وظروف‭ ‬وفاتهم،‭ ‬ومنعها‭ ‬إعادة‭ ‬جثامينهم‭ ‬لدفنها،‭ ‬يشكل‭ ‬مساسًا‭ ‬بالغًا‭ ‬بكرامة‭ ‬الموتى،‭ ‬وبحق‭ ‬العائلات‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬ما‭ ‬آل‭ ‬إليه‭ ‬مصير‭ ‬أحبائها،‭ ‬وبحقها‭ ‬في‭ ‬إقامة‭ ‬مراسم‭ ‬الدفن‭ ‬والحداد‭ ‬وفقًا‭ ‬لمعتقداتها‭ ‬وتقاليدها‭.‬

وتصبح‭ ‬هذه‭ ‬الانتهاكات‭ ‬أشد‭ ‬خطورة‭ ‬عندما‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بأشخاص‭ ‬توفوا‭ ‬أثناء‭ ‬وجودهم‭ ‬رهن‭ ‬الاحتجاز‭ ‬لدى‭ ‬إسرائيل،‭ ‬أو‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اعتقلتهم‭ ‬السلطات‭ ‬الإسرائيلية‭. ‬ففي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات،‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬الدولة،‭ ‬قبل‭ ‬أية‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬المسؤولية‭ ‬عن‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬مصيرهم،‭ ‬وتوثيقه،‭ ‬وإبلاغ‭ ‬عائلاتهم‭ ‬بما‭ ‬جرى‭ ‬لهم،‭ ‬وبظروف‭ ‬وفاتهم،‭ ‬وبمكان‭ ‬وجود‭ ‬جثامينهم‭. ‬وفي‭ ‬ظروف‭ ‬تراكمت‭ ‬خلالها‭ ‬شهادات‭ ‬كثيرة‭ ‬توثق‭ ‬تعرض‭ ‬المعتقلين‭ ‬والأسرى‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬للتعذيب،‭ ‬سوء‭ ‬المعاملة،‭ ‬العنف‭ ‬الجنسي،‭ ‬وظروف‭ ‬احتجاز‭ ‬لا‭ ‬إنسانية،‭ ‬فإن‭ ‬عدم‭ ‬إعادة‭ ‬الجثامين‭ ‬أو‭ ‬إتاحة‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭ ‬يثير‭ ‬مخاوف‭ ‬جدية‭ ‬من‭ ‬إخفاء‭ ‬الأدلة‭ ‬وطمس‭ ‬ملابسات‭ ‬الوفاة‭.‬

إن‭ ‬الانتهاكات‭ ‬التي‭ ‬ترتكبها‭ ‬دولة‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استخدام‭ ‬الجثامين‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬التنكيل‭ ‬بها،‭ ‬وإخفائها،‭ ‬ليست‭ ‬ظاهرة‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬تمامًا‭. ‬إذ‭ ‬تُظهر‭  ‬دراسات‭ ‬أن‭ ‬لإسرائيل‭ ‬تاريخًا‭ ‬طويلًا‭ ‬ومشينًا‭ ‬في‭ ‬امتهان‭ ‬كرامة‭ ‬جثامين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وإساءة‭ ‬معاملتها،‭ ‬وهو‭ ‬تاريخ‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى‭ ‬لإقامة‭ ‬الدولة‭ ‬واستمر‭ ‬على‭ ‬امتداد‭ ‬السنوات‭. ‬فممارسات‭ ‬مثل‭ ‬منع‭ ‬دفن‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬أو‭ ‬دفنهم‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬لائقة‭ ‬في‭ ‬قبور‭ ‬غير‭ ‬معلّمة،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬سرية،‭ ‬استُخدمت‭ ‬كوسائل‭ ‬لقمع‭ ‬الحداد‭ ‬الجماعي‭ ‬أو‭ ‬المقاومة،‭ ‬ولمعاقبة‭ ‬عائلات‭ ‬المتوفين،‭ ‬والإضرار‭ ‬بمجتمعات‭ ‬فلسطينية‭ ‬بأكملها‭.‬

لا‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬المعروضة‭ ‬هنا‭ ‬أي‭ ‬أساس‭ ‬قانوني‭ ‬يجيز‭ ‬للسلطات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالجثامين‭ ‬أو‭ ‬منع‭ ‬إعادتها‭ ‬إلى‭ ‬ذويها‭ ‬لدفنها‭. ‬فقانون‭ ‬مكافحة‭ ‬الإرهاب‭  ‬الإسرائيلي‭ (‬المادتان‭ ‬70أ‭(‬ب‭) ‬و70ب‭(‬أ‭)) ‬لا‭ ‬يجيز‭ ‬تأخير‭ ‬تسليم‭ ‬الجثمان‭ ‬إلا‭ ‬لمدة‭ ‬أقصاها‭ ‬عشرة‭ ‬أيام،‭ ‬وحتى‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬صُنّف‭ ‬المتوفى‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬“منفذ‭ ‬عملية”‭. ‬كما‭ ‬أن‭  ‬أنظمة‭ ‬الدفاع‭ ‬لحالة‭ ‬الطوارئ‭  ‬وهي‭ ‬تشريعات‭ ‬أمنية–عسكرية‭ ‬استثنائية‭ ‬وُضعت‭ ‬لمكافحة‭ ‬الإرهاب،‭ ‬لا‭ ‬تنطبق‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬على‭ ‬الحالات‭ ‬الموصوفة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التقرير‭.‬

المبرر‭ ‬الذي‭ ‬تستخدمه‭ ‬الدولة‭ ‬بشأن‭ ‬استخدام‭ ‬الجثامين‭ ‬كورقة‭ ‬مساومة‭ ‬للإفراج‭ ‬عن‭ ‬أسرى‭ ‬ومفقودين‭ ‬لا‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬الحالات‭ ‬المعروضة‭ ‬هنا‭. ‬كما‭ ‬ادعينا‭ ‬أمام‭ ‬المحكمة،‭ ‬فقد‭ ‬سبق‭ ‬للمحكمة‭ ‬العليا‭ ‬أن‭ ‬أقرت‭ ‬بهذا‭ ‬المبرر‭ ‬فقط‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بجثامين‭ ‬أشخاص‭ ‬ادُّعي‭ ‬أنهم‭ ‬شاركوا‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬عدائية،‭ ‬وعندما‭ ‬يمكن‭ ‬لاستخدام‭ ‬احتجاز‭ ‬الجثمان‭ ‬أن‭ ‬يشكّل‭ ‬وسيلة‭ ‬ضغط‭ ‬لدفع‭ ‬عملية‭ ‬الإفراج‭ ‬عن‭ ‬الأسرى‭ ‬والمفقودين‭. ‬على‭ ‬أي‭ ‬حال،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬لهذا‭ ‬التبرير‭ ‬أي‭ ‬أساس‭ ‬منذ‭ ‬كانون‭ ‬الثاني‭ ‬2026،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الإفراج‭ ‬عن‭ ‬جميع‭ ‬المختطفين‭ ‬ورفات‭ ‬المفقودين‭ ‬من‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭. ‬وفي‭ ‬حالة‭ ‬أيمن،‭ ‬كما‭ ‬ذُكر‭ ‬أعلاه،‭ ‬أقرت‭ ‬الدولة‭ ‬بأنها‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬وفق‭ ‬سياسة‭ ‬منظّمة،‭ ‬وأنها‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬تحتجز‭ ‬الجثامين‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬مبرر‭ ‬واضح‭ ‬أو‭ ‬سند‭ ‬قانوني‭.‬

إن‭ ‬سلوك‭ ‬السلطات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬يشكل‭ ‬عقابًا‭ ‬تعسفيًا‭ ‬يُفرض‭ ‬على‭ ‬عائلات‭ ‬ثكلى،‭ ‬وينطلق‭ ‬من‭ ‬اعتبارات‭ ‬غريبة‭ ‬عن‭ ‬الغاية‭ ‬القانونية‭. ‬ويتعارض‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬مع‭ ‬أحكام‭ ‬القانون‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬كما‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬قواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬وبموجبها‭ ‬فحتى‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الحرب‭ ‬والنزاعات‭ ‬المسلحة،‭ ‬هناك‭ ‬واجب‭ ‬باحترام‭ ‬الموتى،‭ ‬وتمكين‭ ‬ذويهم‭ ‬من‭ ‬دفنهم،‭ ‬وتزويد‭ ‬عائلاتهم‭ ‬بالمعلومات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بهم‭.‬

يجب‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬الجثامين‭ ‬إلى‭ ‬عائلاتها‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬تأخير،‭ ‬وأن‭ ‬تقدم‭ ‬معلومات‭ ‬كاملة‭ ‬عن‭ ‬ظروف‭ ‬وفاة‭ ‬أحبائهم‭ ‬ومكان‭ ‬وجود‭ ‬جثامينهم،‭ ‬وأن‭ ‬تضمن‭ ‬إجراء‭ ‬تحقيق‭ ‬فعّال‭ ‬ومستقل‭ ‬وشفاف‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حالة‭ ‬وفاة‭ ‬تقع‭ ‬أثناء‭ ‬الاحتجاز‭. ‬كما‭ ‬يجب‭ ‬عليها‭ ‬إحالة‭ ‬المسؤولين‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬يخلص‭ ‬فيها‭ ‬التحقيق‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬شبهة‭ ‬ارتكاب‭ ‬جريمة‭ ‬قتل،‭ ‬أو‭ ‬إهمال‭ ‬جنائي،‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬جريمة‭ ‬جنائية‭ ‬أخرى‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬الوفاة‭ ‬وعليها‭ ‬تعريض‭ ‬عائلاتهم‭.‬

شهادات‭*‬

اسمي‭ ‬أدهم،‭ ‬أخ‭ ‬رامي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬محتجزًا‭ ‬لدى‭ ‬إسرائيل‭.‬

كان‭ ‬رامي‭ ‬يبلغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬49‭ ‬عامًا‭. ‬كان‭ ‬إنسانًا‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬بسيطة‭ ‬وهادئة‭ ‬وسط‭ ‬واقع‭ ‬مليء‭ ‬بالأزمات‭. ‬كل‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يريده‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يعيل‭ ‬أسرته‭ ‬بكرامة،‭ ‬أن‭ ‬يرعى‭ ‬زوجته‭ ‬وأطفاله‭ ‬الأربعة‭ ‬الصغار‭. ‬كان‭ ‬رجلًا‭ ‬مفعمًا‭ ‬بقيم‭ ‬السلام،‭ ‬وابتعد‭ ‬عن‭ ‬العنف‭ ‬بجميع‭ ‬أشكاله‭. ‬عمل‭ ‬عاملًا‭ ‬داخل‭ ‬إسرائيل‭ ‬ليبني‭ ‬مستقبلًا‭ ‬آمنًا‭ ‬لأطفاله،‭ ‬وربّاهم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬غرس‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬نفوسهم‭.‬

لكن‭ ‬في‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬أول‭ ‬تغيّر‭ ‬كل‭ ‬شيء‭. ‬أعتقل‭ ‬رامي‭ ‬بعد‭ ‬أربعة‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬كان‭ ‬أيضًا‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬مرض‭ ‬السكري‭. ‬حياته‭ ‬انتهت‭ ‬داخل‭ ‬السجون‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وأصبح‭ ‬شهيدًا‭. ‬ومنذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬جثمانه‭ ‬محتجزًا،‭ ‬وبقينا‭ ‬نحن،‭ ‬أفراد‭ ‬أسرته،‭ ‬نحمل‭ ‬ألم‭ ‬الفقد‭ ‬والمأساة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تندمل‭. ‬لقد‭ ‬جاء‭ ‬خبر‭ ‬موته‭ ‬في‭ ‬السجن‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬زوجته‭ ‬وأطفال