تنكيل بعد الموت .. دولة الاحتلال الاسرائيلي تواصل التنكيل بالمعتقلين الفلسطينيين حتى بعد وفاتهم
في تقرير هام لمؤسسة «چيشاة-مسلك» :
تنكيل بعد الموت .. دولة الاحتلال الاسرائيلي
تواصل التنكيل بالمعتقلين الفلسطينيين حتى بعد وفاتهم
١٧ تموز ٢٠٢٦
اعتقلت إسرائيل منذ السابع من تشرين الأول 2023 آلاف الفلسطينيين من سكان قطاع غزة، سواء داخل إسرائيل أو في قطاع غزة. احتُجز كثيرون منهم لأشهر طويلة وبعضهم لأكثر من عامين، في مرافق اعتقال تابعة للجيش الإسرائيلي أو لسلطة السجون الإسرائيلية، من دون أي تواصل مع عائلاتهم أو محاميهم، ومن دون أن تُقدّم لوائح اتهام بحقهم. وحتى اليوم تمنع إسرائيل أيضاً اللجنة الدولية للصليب الأحمر من الزيارات، محولةً هذه المرافق فعلياً إلى مراكز اعتقال سرية.
أفاد معتقلون أُفرج عنهم خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب محامين من منظمات لحقوق الإنسان زاروا قسماً منهم بأنهم تعرضوا لظروف اعتقال لا إنسانية، شملت الاكتظاظ، التجويع، الحرمان من العلاج الطبي، التنكيل، التعذيب المنهجي، والانتهاكات النفسية والجسدية. في شهر أيار 2026 أضاف الأمين العام للأمم المتحدة قوات الأمن الإسرائيلية على القائمة السوداء للجهات المسؤولة عن العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، وذلك بعد صدور تقرير للأمم المتحدة لعام 2025 وثّق وأكد العنف الجنسي بحق فلسطينيين أثناء الاعتقال والتحقيق وفي مراكز الاعتقال الاسرائيلية.
حتى تموز 2026- يُحتجز في إسرائيل 9،299 سجيناً تصنفهم سلطة السجون الإسرائيلية على أنهم «أمنيون»، وغالبيتهم من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة. ولا يشمل هذا العدد الفلسطينيين المحتجزين لدى الجيش الإسرائيلي، ممّن لا تتوفر بشأنهم أي شفافية. ومن بين هؤلاء المحتجزين، هناك 3،314 معتقلًا لم تصدر بحقهم بعد أحكام قضائية، و- 3،244 محتجزًا رهن الاعتقال الإداري، و- 1،320 محتجزاً بموجب تصنيف «مقاتلين غير شرعيين».
ومن المعلومات المتوفرة حتى اليوم فقد استشهد 104 فلسطيني على الأقل أثناء وجودهم قيد احتجاز السلطات الإسرائيلية أو خلال الاعتقال، 68 منهم على الأقل كانوا من سكان قطاع غزة. ووفقاً للتقديرات، فإن العدد الفعلي أعلى من ذلك.
بعد مرور تسعة أشهر على دخول اتفاق وقف إطلاق النار المؤرخ في 9 تشرين الأول 2025 حيّز التنفيذ، ما زالت عائلات كثيرة في قطاع غزة تنتظر الحصول على معلومات عن ذويها الذين فُقدت آثارهم خلال الحرب، وفي الحالات التي تبيّن فيها أن هؤلاء توفوا أثناء الاحتجاز لدى السلطات الإسرائيلية، ما زالت العائلات تنتظر أيضاً معلومات بشأن ظروف الوفاة وإعادة جثامينهم لدفنها. خلال العامين الأخيرين تدير مؤسسة «چيشاة-مسلك» إجراءات قانونية للمطالبة بإعادة جثامين ثلاثة أشخاص من سكان قطاع غزة توفوا بعد أن اعتقلتهم إسرائيل.
يسرد هذا التقرير الإخفاقات الجسيمة والمثيرة للقلق في أداء السلطات الإسرائيلية، بدءاً من تزويد العائلات بمعلومات جزئية أو غير صحيحة، وأحياناً حتى مضللة؛ مروراً بمماطلات طويلة في التحقيق في ملابسات الوفاة وعدم تزويد العائلات بمعلومات حول نتائج تلك التحقيقات؛ وصولًا إلى وضع لا تعرف فيه الدولة مكان وجود أحد الجثامين. في إحدى الحالات، أقرت الدولة بأنها تحتجز جثماناً إلى حين بلورة سياسة جديدة بشأن الأسرى والمفقودين. وبعبارة أخرى، تعترف السلطات فعليًا بأنها تحتفظ بالجثامين وتمنع إعادتها إلى عائلاتها في قطاع غزة كورقة مساومة، دون وجود أي سياسة مُنظَّمة أو سند قانوني يجيز لها القيام بذلك.
فيما يلي الحالات الثلاث التي تتابعها المؤسسة مرفقة بشهادات بعض أقاربهم. لغرض حماية خصوصيتهم وخصوصية الموتى، فإن جميع الأسماء الواردة في هذا التقرير هي أسماء مستعارة.
الدولة لا تعرف مكان جثمان رامي
رامي من سكان قطاع غزة وأب لخمسة أبناء، عمل لمدة تقارب سنة ونصف في موقع بناء بأحد الكيبوتسات المحاذية لقطاع غزة. وبعد وقت قصير من هجوم السابع من تشرين الأول، أُلغي تصريح عمله ضمن قرار الإلغاء الجماعي لتصاريح عمل جميع الفلسطينيين الذين كانوا يعملون داخل إسرائيل ومكثوا فيها بصورة قانونية عشية اندلاع الحرب، ثم اعتُقل في إطار حملة الاعتقالات الجماعية التي نفذتها السلطات الإسرائيلية بحق سكان قطاع غزة الذين كانوا موجودين داخل أراضيها.
وفقاً لشهادات عمال احتُجزوا معه ثم أُفرج عنهم لاحقاً إلى قطاع غزة، نُقل رامي أولًا إلى معتقل عوفر، ثم بعد ثلاثة أيام نُقل إلى منشأة عناتوت، وبعد يومين توفي هناك. أفاد الشهود بأن طلباته للحصول على علاج من مرض السكري الذي كان يعاني منه لم تلقَ استجابة، وأنه تعرض للتنكيل خلال فترة احتجازه.
وفي إثر طلب عائلته، توجهنا للمرة الأولى إلى السلطات الإسرائيلية في تشرين الثاني 2023، مطالبين بإعادة جثمانه وفتح تحقيق في ملابسات وفاته. وبعد عدم رد السلطات على التوجهات الإضافية التي أرسلناها، قدمنا التماسًا في شباط 2026 إلى المحكمة العليا الإسرائيلية. حاججنا في الالتماس أن استمرار رفض تسليم الجثمان إلى عائلته يمس بحقوقه وبحقوق أفراد أسرته، ويشكل انتهاكاً للقانونين الإسرائيلي والدولي، ويتمّ من دون أي تخويل قانوني.
في نيسان 2026، وبعد أن طلبت الدولة وحصلت على فترات تمديد لموعد تقديم ردها، أبلغت الدولة المحكمة بأنه «اتضح للجهات العسكرية» أن الجثمان الذي كانت السلطات تعتقد أنه يعود لرامي هو ليس جثمانه في الواقع، وأن السلطات تحاول التحقق مما إذا كان بالإمكان العثور على الجثمان. وفي رد إضافي قُدم إلى المحكمة في أيار الماضي، أقرت الدولة بأن المرحوم كان يعمل في إسرائيل بموجب تصريح قانوني قبل اندلاع الحرب، وأنه بعد اندلاعها اعتقلته السلطات الإسرائيلية واحتُجز لدى أجهزة الجيش، و”لقي حتفه أثناء وجوده قيد الاحتجاز”.
كما أفادت الدولة بأنه في إثر وفاته فُتح تحقيق لدى «الشرطة العسكرية للتحقيقات الجنائية»، ولا يزال التحقيق جاريًا، وأن جثمانه خضع للتشريح في 29 آذار، وأن الطلب الذي قدمته الشرطة العسكرية لاستصدار أمر تشريح الجثمان صنّف رامي في البداية عن طريق الخطأ على أنه «مقاتل غير شرعي»، وهو خطأ قالت الدولة إنه جرى تصحيحه لاحقاً. بعبارة أخرى، أقرت الدولة بأنه لم يكن هنالك أي سبب لاعتقاله وأنه مات داخل المعتقل، ومع ذلك واصلت الاحتفاظ بجثمانه لأكثر من عامين.
هنا، اضطرت الحكومة للاعتراف بأن «طريقة تعاطي الجهات الرسمية» مع جثمان المرحوم تكشف عن سلسلة من الإخفاقات، وأن «الجيش يعتزم فحص أوجه القصور واستخلاص العبر». كما طلبت تمديداً إضافيًا لمواصلة محاولاتها العثور على الجثمان، وفي إطار هذه الجهود طلبت من أفراد العائلة تقديم عينات من الحمض النووي (DNA) بهدف المساعدة في التعرف المحتمل على الجثمان.
إن فقدان السلطات الرسمية آثار الجثمان يطرح أسئلة بالغة الخطورة: كيف يُعقل أنه فقط بعد أكثر من عامين، يتبيّن أن الجثمان الذي جرى التعرف إليه على أنه يعود لشخص توفي أثناء احتجازه لدى الدولة، ليس جثمانه؟ وعلى أي أساس جرى التعرف إلى الجثمان أصلاً في البداية؟ وهل توجد جثامين أخرى تحتفظ بها السلطات من دون معرفة هويات أصحابها؟ وكم من العائلات الأخرى في قطاع غزة تضطر إلى العيش في الحالة نفسها من انعدام اليقين بشأن مصير أحبائها الذين اعتقلتهم إسرائيل، ثم اختفت آثارهم، وربما توفوا أثناء الاعتقال من دون أن تتلقى عائلاتهم أي معلومات عن مصيرهم؟
في 24 أيار وصل أشقاء رامي إلى معبر كرم أبو سالم لغرض تقديم عينات وراثية. وبطلب من الحكومة كان برفقتهما طفلا رامي الصغيران، وهما الناجيان الوحيدان من أسرتهما المباشرة بعد أن قُتلت والدتهما وشقيقاهما جراء القصف الإسرائيلي على قطاع غزة.. إلا أنه في نهاية المطاف وعلى الرغم من أنهما خاطرا بحياتهما للوصول إلى معبر كرم أبو سالم، أُخذت العينات من الشقيقين فقط.
وبعد طلبات متكررة للحصول على فترات تمديد، أبلغت الدولة في 18 حزيران أن العينات التي أُخذت من شقيقي رامي لم تُفضِ إلى العثور على الجثمان، وأنه لغرض استكمال البحث يجب أخذ عينات أيضًا من طفليه. أوضحنا في ردنا لهذا الطلب إن سلوك الدولة يشكل حلقة إضافية في سلسلة إخفاقاتها وفي تعميق معاناة العائلة، كما أنها تعرّض طفلي رامي للخطر بسبب اضطرارهما إلى السفر عبر منطقة غير آمنة. وعلى الرغم من كل ذلك وإزاء انعدام أي بديل، فقد وافقت العائلة على تقديم العينات. وحتى تاريخ نشر هذه الوثيقة، لم يُحدد بعد موعدٌ لأخذ العينات. وفي هذه الأثناء ليس هناك سوى الأمل بأن الدولة لا تطرح إجراء فحوصات إضافية كذريعةً للادعاء بأنها استنفدت جميع جهودها.
-لم ينجُ من الأسرة سوى الطفلين الصغيرين، جمال وسهى. لقد نجوا بأجسادهم، لكن قلوبهم جريحة. فهما يسألان مرارًا وتكراراً، بألم يحرق القلوب: أين أبي؟ متى سنتسلم جثمانه؟ متى سنتمكن من توديعه؟
أنا من يتحمل مسؤوليتهما اليوم. وعلى الرغم من الألم والفقدان والثقل الذي أحمله على كتفي، فقد أخذت على عاتقي وصية أخي بأن أحمي طفليه وأرعاهما، وأن أكون وصيّا عليهما. أحاول أن أكون لهم أبًا بديلًا، وكل ما يحتاجانه في عالم قد انهار من حولهم.
لقد كان رامي طوال حياته إنسانًا مناصرًا للسلام وساعيًا إليه. كان رجلًا يرفض العنف، ولم يكن يريد سوى أن يعيش ويعيل أسرته بكرامة. إن طفلاه لا يطلبان سوى حقهما في توديعه، ودفنه بكرامة، وأن يعلموا أن لديهم قبراً يزورونه. إن إعادة جثمانه خطوة إنسانية من شأنها منحهم شيئًا من العزاء وسط هذا الألم.
الطبيب المكلّف من قبل عائلة خالد ناصر محظور عليه إطلاعها على نتائج تشريح جثمانه
كان خالد يعمل كمسعف في مستشفى ناصر، أب لستة أطفال، أربعة منهم قاصرون. اعتُقل في 2 كانون الأول 2023 عند حاجز نتساريم بينما كان يقود سيارة إسعاف متجهة لإجلاء مصابين من شمال قطاع غزة إلى جنوبه. ومع أن الرحلة كنت بتنسيق مع الجهات العسكرية الإسرائيلية، إلا أن خالد اعتُقل عند الحاجز مع اثنين من أفراد الطاقم الذين كانوا برفقته، ومنذ ذلك الحين اختفت آثاره.
بعد نحو عشرة أشهر، وفي أعقاب توجه تقدمت به مؤسسة «چيشاة-مسلك» باسم العائلة في أيلول 2024 إلى الجهات المعنيّة الاسرائيلية في محاولة لمعرفة مكان وجود خالد، أبلغتنا السلطات الإسرائيلية بأن خالد قد توفي، وأن تحقيقاً قد فُتح في ملابسات وفاته. ووفقاً لما أفادت به السلطات، فقد مات في اليوم نفسه الذي اعتُقل فيه داخل منشأة الاعتقال في سديه تيمان.
وفي إثر ذلك تقدمت «چيشاة-مسلك» باسم زوجة خالد إلى المحكمة بطلب تعيين قاضٍ محقق بهدف تعزيز الرقابة والشفافية فيما يتعلق في مسار التحقيق، إلا أن الطلب رُفض. ادعت الدولة على مدار هذه الإجراءات أن الشرطة العسكرية الإسرائيلية تجري تحقيقاً، وأن أعمال التحقيق مستمرة بصورة منتظمة. وفي إطار هذه الإجراءات وبناءً على طلب العائلة، طالبنا منذ أيلول 2024 بإجراء تشريح لجثمان خالد. وبما أن المحكمة وحدها تملك صلاحية إصدار أمر بإجراء التشريح، فقد استلزم ذلك صدور أمر قضائي. فقط في آذار2025 تقدمت الدولة بطلب استصدار أمر بإجراء التشريح. في ردنا على الطلب قلنا إنه يجب الموافقة على التشريح شريطة أن تقتنع المحكمة بضرورته في هذه المرحلة من الإجراءات، وطالبنا بالسماح لممثل طبي من قبل العائلة بحضور عملية التشريح. استجابت المحكمة لطلب الدولة، وأمرت بإجراء التشريح.
تم نقل جثمان خالد إلى المعهد الوطني للطب الشرعي لإجراء التشريح في أيار 2025، أي بعد مرور عام ونصف على وفاته. ووفقًا لطلب العائلة ولقرار المحكمة، حضر طبيب مكلّف من قبلها عملية التشريح، إلا أن مشاركته كانت مشروطة بتوقيعه على تعهد بالحفاظ على سرية نتائجها. وقد رفضت المحكمة والجيش والمعهد الوطني للطب الشرعي الطلبات التي تقدمت بها مؤسسة “چيشاة-مسلك” لأن يتم استثناء هذه النتائج من السرية المفروضة، بما يتيح نقل المعلومات والاستنتاجات المستخلصة من التشريح إلى عائلة خالد.
وفي تقرير نُشر حول القضية نشر في صحيفة “هآرتس” في كانون الأول 2025، وصفت زوجة خالد الواقع الذي تعيشه من دون أي معلومات عنه منذ يوم اعتقاله. “كل ما أريده هو أن أعرف ماذا حدث لزوجي. إذا كان قد توفي، فلماذا توفي؟ وكيف؟” قالت زوجته، وأضافت أنه كان قد خرج لإنقاذ الأرواح ومعالجة الجرحى، وليس لديه أي سجل أمني، وأفادت أيضًا: “لا يمكن أن يُخفى إنسان بهذه الطريقة. نحن نعيش في حالة من انعدام اليقين، تزيد الألم والخوف”.
للأسف لم يتغيّر واقع العائلة حتى اليوم، فبعد أكثر من عام على إجراء التشريح لم تتلقَّ العائلة أية معلومات بشأن نتائجه. كما أنها لا تعلم أين توفي خالد، إن كان ذلك في قطاع غزة أو داخل إسرائيل، ولا ما هي ظروف وفاته، ولا سبب استمرار احتجاز جثمانه لدى إسرائيل، ولا متى سيعاد، وإن كان سيُعاد أصلًا إلى عائلته لدفنه.
توجهنا في تاريخ 25 أيار 2026 إلى المدعي العسكري العام والمستشارة القضائية للحكومة مطالبين بالإعادة الفورية لجثمانه إلى أفراد عائلته دون أي تأخير، وبالحصول على معلومات حول مكان احتجاز الجثمان والظروف التي يُحتجز فيها، وحول سير التحقيق في ملابسات وفاته، وبالحصول على نسخة من مواد التحقيق. وحتى تاريخ نشر هذا التقرير، وعلى الرغم من واجب السلطات في تقديم المعلومات، فإنها لم تكلف نفسها حتى عناء الرد على هذا التوجه.
أعلنت الدولة أنه “لا مؤشرات” على اعتقال أيمن وبعدها اعترفت بأنها تحتجز جثمانه للمساومة
أيمن كان صحفي وأب لأربعة أطفال، اعتُقل في 12 كانون الأول 2023 خلال مداهمة نفذها الجيش الإسرائيلي لمنزل عائلته في حي النصر بمدينة غزة. وأفاد أفراد عائلته بأن الجنود أخرجوهم من المنزل بالقوة، قيدوا الرجال وفصلوهم عن النساء، ثم أخضعوهم للتحقيق. وبعد عدة ساعات، اقتيد أيمن من المكان في مركبة عسكرية، ومنذ ذلك الحين اختفى.
توجهنا في أيلول 2024 إلى الشرطة العسكرية بطلب للحصول على معلومات بشأن اعتقال أيمن ومكان احتجازه. وتلقينا في اليوم نفسه، ردًا يفيد بأنه “لا توجد أية مؤشرات” على أنه محتجز. لم يكن هذا النوع من الردود استثنائيًا. فمنذ اندلاع الحرب، ساعدت “چيشاة-مسلك” ومؤسسات أخرى أفراد عائلات معتقلين من قطاع غزة في تقديم التماسات إحضار أمام القضاء (Habeas Corpus) إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، بهدف معرفة مصير ذويهم وتحديد أماكن وجودهم، وذلك بعدما أبلغتهم السلطات بأنه “لا توجد أي مؤشرات” على اعتقالهم، أو أنها امتنعت عن تزويدهم بأية معلومات بشأنهم. وقد حدث ذلك رغم أن العديد من العائلات كان لديها شهادات من أقارب أو من معتقلين أُفرج عنهم، تؤكد أن ذويهم قد اعتقلتهم إسرائيل واحتُجزوا في مرافق اعتقال إسرائيلية.
تقدمنا في أيار 2025 باسمه وباسم أفراد عائلته التماس “إحضار أمام القضاء”. لم تُبلغ الدولة المحكمة إلا في تموز 2025 بعد سلسلة من طلبات تمديد المهلة لتقديم ردها، بأن أيمن قد توفي وأن جثمانه ما زال محتجزًا لدى السلطات، وأن الشرطة العسكرية للتحقيقات الجنائية قد فتحت تحقيقًا في وفاته، وما زال التحقيق مستمرًا. حقيقة أن هذه المعلومات وفتح التحقيق كشفوا فقط بعد تقديم التماس إحضار أمام القضاء – بعد مرور أشهر طويلة على بدء أفراد عائلته بمحاولات معرفة مصيره – يشكل دليلًا إضافيًا على الإخفاقات في تعامل السلطات، إذ يوجبها القانون الإسرائيلي بفتح تحقيق على الفور في كل حالة وفاة تقع أثناء وجود شخص رهن الاحتجاز والإعلام بالموضوع.
علاوة على ذلك، أقرت الدولة في ردها بأن الفحوصات التي أُجريت عقب توجهات العائلة لم تكن كافية للوصول إلى جميع المعلومات التي كانت بحوزة السلطات، وذلك، من بين أسباب أخرى، لأنه لم يصدر بحق أيمن أمر احتجاز بموجب قانون “المقاتلين غير الشرعيين”. وأضافت أن الإجراءات المعتمدة في مركز المعلومات التابع للشرطة العسكرية قد عُدلت في أعقاب هذه القضية، بهدف منع تقديم معلومات خاطئة في حالات مشابهة مستقبلًا.
وعلى الرغم من ذلك، وحتى بعد هذا الإقرار، رفضت الدولة الكشف عن معلومات جوهرية ذات صلة، من بينها: تاريخ الوفاة، مكان الوفاة، ظروفها، الأساس القانوني الذي استندت إليه في احتجاز أيمن، وكذلك الأساس القانوني لاستمرار احتجاز جثمانه. في شباط 2026، تقدمنا بالتماس إلى المحكمة العليا مطالبين بإعادة جثمانه إلى قطاع غزة، وبالكشف عن معلومات مفصلة بشأن ظروف وفاته.
خلال إحدى طلباتها العديدة لتمديد المهلة أمامها لتقديم ردها، أرفقت الدولة للمرة الأولى ادعاء أن أيمن كان “ناشطًا عسكريًا في حركة حماس”، وهو ادعاء ترفضه عائلته رفضًا قاطعًا. في اعتراضنا على هذا الطلب، شددنا على أن هذا الادعاء يفتقر إلى أي أساس، وأنه حتى لو كان صحيحًا، فإنه لا يمنح الدولة أي صلاحية قانونية للاحتفاظ بجثمانه.
بعد طلبات إضافية لتمديد المهلة، وبعد أن أشارت المحكمة في قرارها الأخير بالموافقة على طلب تأجيل إضافي إلى أنه يثير “عدم ارتياح”، قدّمت الدولة في 1 تموز 2026 ردّها التمهيدي. في ردّها، ادعت الدولة مرة أخرى بأن أيمن كان “ناشطًا عسكريًا في حماس”. وأشارت إلى أنها مستعدة لعرض مواد تدعم هذا الادعاء أمام المحكمة بشكل سري فقط، أي دون تمكين أفراد العائلة ومحاميهم من مواجهة هذا الادعاء.
بالإضافة إلى ذلك، كُشف في ردّها عن معلومات رسمية لم تكن معروفة للعائلة حتى الآن، تفيد بأنه تم نقل أيمن في اليوم التالي لاعتقاله إلى “منشأة احتجاز مؤقتة في معبر إيرز”، حيث توفي في اليوم ذاته. كما أُفيد بأنه في 28 شباط 2024 فُتح تحقيق من قبل الشرطة العسكرية في ملابسات وفاته، تحقيق “مستمر لفترة أطول من المتوقع”، كون “جهات ذات صلة تشارك في القتال على الحدود الشمالية”، ضمن أسباب أخرى.
بعد أكثر من عامين ونصف على وفاة أيمن أثناء احتجازه لدى الدولة، تقدّم الأخيرة للمرة الأولى معلومات أساسية فقط بشأن موعد ومكان وفاته وحول فتح التحقيق، لكنها لا تزال تحجب معلومات جوهرية عن ملابسات وفاته: كيف توفي أيمن؟ ما كانت حالته أثناء احتجازه؟ هل خضع لفحص أو تلقى علاجًا طبيًا؟ ماذا أسفر عنه التحقيق حتى الآن؟ وبهذا، ترى الدولة أن مجرد وجود تحقيق يبرر استمرار رفضها تزويد العائلة بالمعلومات. وعلى خلفية التجربة المتراكمة من حالات مشابهة، بما في ذلك الحالات الموصوفة في هذا المستند، فإن تحقيقات الشرطة العسكرية تتأخر وتطول بشكل يثير قلقًا بالغًا بشأن القدرة على كشف الحقيقة، بل وحتى احتمال طمسها وإخفائها.
فيما يتعلق باحتجاز الجثمان، تشير الدولة إلى أنه يُحتجز “لغرض دراسة الاستمرار في احتجازه كجثمان مُنفّذ هجوم لأغراض شؤون الأسرى والمفقودين”. ومن ردّها يتضح أنها تقرّ بأن الأساس الذي استندت إليه سياسة احتجاز الجثامين قد تغيّر بعد إعادة المختطفين. ولذلك، ووفقًا لها، بدأت أعمال داخلية لمراجعة هذه السياسة في ضوء “واقع شؤون الأسرى والمفقودين الحالي”، إلا أن هذه الأعمال لم تكتمل بعد، وبالتالي، ووفقًا لموقف الدولة نفسها، فإن مسألة احتجاز جثمان أيمن لا تزال غير قابلة للبتّ.
تواصل الدولة احتجاز جثمان أيمن دون الإشارة إلى أساس قانوني ساري يمنحها هذه الصلاحية؛ ودون توضيح الغاية التي يخدمها هذا الاحتجاز؛ ودون اثبات أنه قد تم اتخاذ قرار فردي بشأنه. في الواقع، يتضح من ردّها أن الجثمان يُحتجز كورقة مساومة مستقبلية إلى حين بلورة سياسة جديدة، وذلك خلافًا لواجبها في العمل بموجب صلاحية واضحة ووفقًا للقانون.
وفي هذه الأثناء، وعلى غرار الحالات الأخرى، وبعد أكثر من عامين على اعتقاله، لا تزال عائلة أيمن تنتظر إجابات بشأن مصيره وملابسات وفاته، واستعادة جثمانه ليتسنى لها دفنه بكرامة.
كان أيمن، كما نصفه نحن، “عظمه طري”؛ لم يكن له طابع مقاتل ولم ينخرط في أي نشاط.
“دخل الجيش إلى منزلنا، وتحدثنا معهم باللغة الإنجليزية لنوضح لهم أننا غير منخرطين في أي شيء، وألاّ يؤذوا الأطفال والنساء. أخذوا أيمن من منزله وهو يرتدي ملابسه الداخلية. لم يكن لديه سلاح، ولم يكن يرتدي زيًا عسكريًا. فكيف قرروا أنه ناشط عسكري؟
نحن سبعة إخوة. أنا أصغرهم، وأيمن يكبرني بثلاث سنوات. كان أقرب الناس إليّ، وكان أعز أصدقائي. عندما أخذوه وأطلقوا سراحنا، سألت أمي الضابط المسؤول، وسألناه جميعًا: “لماذا تأخذونه؟” فأجابنا: “بعد ساعتين سنطلق سراحه.” لكن حتى اليوم، لا نعرف عنه شيئًا.
هذا الواقع هو تعذيب لنا نحن أفراد العائلة، ولأمي، ولزوجته، ولطفليه الصغيرين. أنا أموت ألف مرة عندما يسألني طفلاه: “أين أبي؟” فهذا هو أصعب شيء بالنسبة إليّ كلما التقيتهما، وليس لدي حتى جواب واضح أقدمه لهما.
لماذا يُمارَس هذا التعذيب بحقنا؟ من حقنا أن نعرف ما الذي جرى له. لماذا نعاقَب؟ نحن لسنا مسؤولين عن أي شيء مما حدث. ضعوا حدًا لهذا اللغز. إذا كان قد مات، فأعيدوه إلينا لندفنه، حتى ينتهي هذا الكابوس وتلتئم هذه الجراح”.
موقف “چيشاة-مسلك”
في مستهل مقالها حول العنف الذي تمارسه إسرائيل بحق جثامين الفلسطينيين، ترى الباحثة القانونية منى حداد أنه بالنسبة للفلسطينيين، على امتداد السنوات، ولا سيما منذ السابع من تشرين الأول 2023، لم يكن الموت نهايةً للمعاناة. ففي حين يُنظر إلى الموت عادةً على أنه نقطة النهاية للاعتداء على الإنسان أو الجسد، فإن العنف في الحالة الفلسطينية يستمر حتى بعد الوفاة، من خلال السيطرة على الجثامين واحتجازها، منع دفنها، تدمير المقابر، إخفاء الرفات، ومنع إقامة طقوس الحداد. الحالات التي عرضناها أعلاه تُجسّد هذه الادعاءات، وتكشف عن الأذى القاسي الذي يلحق بأفراد عائلات الضحايا أيضًا.
إن احتجاز إسرائيل للجثامين، وامتناعها عن تزويد العائلات بمعلومات حول مصير المتوفين وظروف وفاتهم، ومنعها إعادة جثامينهم لدفنها، يشكل مساسًا بالغًا بكرامة الموتى، وبحق العائلات في معرفة ما آل إليه مصير أحبائها، وبحقها في إقامة مراسم الدفن والحداد وفقًا لمعتقداتها وتقاليدها.
وتصبح هذه الانتهاكات أشد خطورة عندما يتعلق الأمر بأشخاص توفوا أثناء وجودهم رهن الاحتجاز لدى إسرائيل، أو بعد أن اعتقلتهم السلطات الإسرائيلية. ففي مثل هذه الحالات، تقع على عاتق الدولة، قبل أية جهة أخرى، المسؤولية عن التحقق من مصيرهم، وتوثيقه، وإبلاغ عائلاتهم بما جرى لهم، وبظروف وفاتهم، وبمكان وجود جثامينهم. وفي ظروف تراكمت خلالها شهادات كثيرة توثق تعرض المعتقلين والأسرى الفلسطينيين للتعذيب، سوء المعاملة، العنف الجنسي، وظروف احتجاز لا إنسانية، فإن عدم إعادة الجثامين أو إتاحة الوصول إليها يثير مخاوف جدية من إخفاء الأدلة وطمس ملابسات الوفاة.
إن الانتهاكات التي ترتكبها دولة إسرائيل من خلال استخدام الجثامين الفلسطينية، التنكيل بها، وإخفائها، ليست ظاهرة بدأت في السنوات الأخيرة، بل على العكس تمامًا. إذ تُظهر دراسات أن لإسرائيل تاريخًا طويلًا ومشينًا في امتهان كرامة جثامين الفلسطينيين وإساءة معاملتها، وهو تاريخ يعود إلى السنوات الأولى لإقامة الدولة واستمر على امتداد السنوات. فممارسات مثل منع دفن الفلسطينيين، أو دفنهم بصورة غير لائقة في قبور غير معلّمة، أو في أماكن سرية، استُخدمت كوسائل لقمع الحداد الجماعي أو المقاومة، ولمعاقبة عائلات المتوفين، والإضرار بمجتمعات فلسطينية بأكملها.
لا يوجد في الحالات المعروضة هنا أي أساس قانوني يجيز للسلطات الإسرائيلية الاحتفاظ بالجثامين أو منع إعادتها إلى ذويها لدفنها. فقانون مكافحة الإرهاب الإسرائيلي (المادتان 70أ(ب) و70ب(أ)) لا يجيز تأخير تسليم الجثمان إلا لمدة أقصاها عشرة أيام، وحتى ذلك لا يكون إلا إذا صُنّف المتوفى على أنه “منفذ عملية”. كما أن أنظمة الدفاع لحالة الطوارئ وهي تشريعات أمنية–عسكرية استثنائية وُضعت لمكافحة الإرهاب، لا تنطبق هي الأخرى على الحالات الموصوفة في هذا التقرير.
المبرر الذي تستخدمه الدولة بشأن استخدام الجثامين كورقة مساومة للإفراج عن أسرى ومفقودين لا ينطبق على الحالات المعروضة هنا. كما ادعينا أمام المحكمة، فقد سبق للمحكمة العليا أن أقرت بهذا المبرر فقط فيما يتعلق بجثامين أشخاص ادُّعي أنهم شاركوا في عملية عدائية، وعندما يمكن لاستخدام احتجاز الجثمان أن يشكّل وسيلة ضغط لدفع عملية الإفراج عن الأسرى والمفقودين. على أي حال، لم يعد لهذا التبرير أي أساس منذ كانون الثاني 2026، في ظل الإفراج عن جميع المختطفين ورفات المفقودين من قطاع غزة. وفي حالة أيمن، كما ذُكر أعلاه، أقرت الدولة بأنها لا تعمل وفق سياسة منظّمة، وأنها في الواقع تحتجز الجثامين دون أي مبرر واضح أو سند قانوني.
إن سلوك السلطات الإسرائيلية يشكل عقابًا تعسفيًا يُفرض على عائلات ثكلى، وينطلق من اعتبارات غريبة عن الغاية القانونية. ويتعارض هذا السلوك مع أحكام القانون الإسرائيلي، كما يتعارض مع قواعد القانون الدولي، وبموجبها فحتى في حالات الحرب والنزاعات المسلحة، هناك واجب باحترام الموتى، وتمكين ذويهم من دفنهم، وتزويد عائلاتهم بالمعلومات المتعلقة بهم.
يجب على إسرائيل أن تعيد الجثامين إلى عائلاتها دون أي تأخير، وأن تقدم معلومات كاملة عن ظروف وفاة أحبائهم ومكان وجود جثامينهم، وأن تضمن إجراء تحقيق فعّال ومستقل وشفاف في كل حالة وفاة تقع أثناء الاحتجاز. كما يجب عليها إحالة المسؤولين إلى القضاء في الحالات التي يخلص فيها التحقيق إلى وجود شبهة ارتكاب جريمة قتل، أو إهمال جنائي، أو أي جريمة جنائية أخرى أدت إلى الوفاة وعليها تعريض عائلاتهم.
شهادات*
اسمي أدهم، أخ رامي الذي لا يزال محتجزًا لدى إسرائيل.
كان رامي يبلغ من العمر 49 عامًا. كان إنسانًا يبحث عن حياة بسيطة وهادئة وسط واقع مليء بالأزمات. كل ما كان يريده هو أن يعيل أسرته بكرامة، أن يرعى زوجته وأطفاله الأربعة الصغار. كان رجلًا مفعمًا بقيم السلام، وابتعد عن العنف بجميع أشكاله. عمل عاملًا داخل إسرائيل ليبني مستقبلًا آمنًا لأطفاله، وربّاهم من خلال غرس الأمل في نفوسهم.
لكن في السابع من تشرين أول تغيّر كل شيء. أعتقل رامي بعد أربعة. في تلك الفترة كان أيضًا يعاني من مرض السكري. حياته انتهت داخل السجون الإسرائيلية، وأصبح شهيدًا. ومنذ ذلك الحين ما زال جثمانه محتجزًا، وبقينا نحن، أفراد أسرته، نحمل ألم الفقد والمأساة التي لم تندمل. لقد جاء خبر موته في السجن الإسرائيلي على زوجته وأطفال