هندســـة التضليـــل بالذكـــاء الاصطنــاعي وأثرها على العدالة الدولية والعمل الحقوقي الفلسطيني
من الدعاية الموجهة للجمهور إلى التأثير في البنية المعرفية التي تعتمد عليها نماذج الذكاء الاصطناعي
هندســـة التضليـــل بالذكـــاء الاصطنــاعي وأثرها على العدالة الدولية والعمل الحقوقي الفلسطيني
27 أغسطس/آب 2026
يشهد الفضاء الرقمي تحولًا نوعياً في أدوات التأثير السياسي والدعائي. فبعد أن كانت حملات التأثير تستهدف الرأي العام مباشرة عبر وسائل الإعلام والإعلانات ومنصات التواصل، تكشف تقارير حديثة، وفي مقدمتها تحقيق The Guardian الصادر في 26 أغسطس/آب 2026، عن نمط أكثر تعقيدًا: إنتاج محتوى كثيف ومهيأ تقنيًا بحيث يصبح قابلًا للاستخدام من أنظمة الذكاء الاصطناعي ومحركات الإجابة كمرجع يبدو موثوقًا أو شبه أكاديمي.
هذه الظاهرة لا تثير فقط إشكالات إعلامية؛ بل تمس مباشرة العمل الحقوقي والقانوني، وتوثيق الجرائم، والوصول إلى الأدلة، ومصداقية البحث، وصناعة السياسات، وحتى قدرة الضحايا والمؤسسات على إيصال روايتهم إلى المنصات الرقمية التي بات يعتمد عليها الصحفيون والباحثون والمحامون وصناع القرار.
أولًا: ماذا كشف تحقيق The Guardian؟
كشفت الجارديان عن إنشاء موقع باسم Hanover Institute for Public Policy صُمم ليبدو كمركز أبحاث أمريكي متخصص في إسرائيل وفلسطين، في حين أن المواد المنشورة من خلاله مرتبطة بشركة Piro Inc. ضمن ترتيبات تمويل واتصال لصالح وكالة الإعلانات الحكومية الإسرائيلية LaPam عبر Havas Media Germany. وتقر صفحة المعهد نفسها بأن المواد توزع من قبل Piro لصالح Havas Media Germany التي تعمل لصالح LaPam، وأن هذه العلاقة مسجلة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب في الولايات المتحدة FARA.
وبحسب تحليل الجارديان، نشر الموقع 124 تقريراً بأكثر من 560 ألف كلمة خلال تسعة أيام فقط، في محاولة واضحة لتكثيف الحضور الرقمي لمواد تتناول قضايا مثل غزة، الإبادة الجماعية، جرائم الحرب، المستوطنات، التهجير، معاداة الصهيونية، وAIPAC.
كما أن شكل المحتوى نفسه يلفت الانتباه: تقارير طويلة، عناوين في صيغة أسئلة، جداول، هوامش، إشارات إلى مؤسسات دولية وحقوقية، ولغة تبدو أكاديمية وغير انفعالية. وتقول Piro عن خدمتها إنها تنتج محتوى مصمماً وفق الطريقة التي تقيّم بها نماذج اللغة الكبيرة المصداقية، تحت مسمى AI Story Optimization.
ثانياً: لماذا يشكل ذلك خطراً على العمل الحقوقي؟
الخطر الأساسي هو أن النظام الرقمي قد يفشل في التمييز بين البحث الحقوقي المستقل والمحتوى المصمم عمداً لمحاكاة خصائص البحث الموثوق.
في العمل الحقوقي، تعتمد المصداقية على عناصر مثل:
المصدر الأولي، المنهجية، الاستقلال المؤسسي، الإفصاح عن التمويل، إمكانية التحقق، سلسلة التوثيق، وتعدد الأدلة.
أما في بيئة الذكاء الاصطناعي، فقد تُقرأ بعض الإشارات الشكلية :
كثرة المراجع، الجداول، النبرة المحايدة، طول النص، البنية الأكاديمية - باعتبارها مؤشرات على الموثوقية حتى إذا كان المحتوى نفسه جزءاً من حملة تأثير.
وهذا يخلق ما يمكن وصفه بـ «المحاكاة التصديقية»:
أي إنتاج محتوى يحاكي الشكل الخارجي للبحث المستقل من أجل اكتساب وزن أكبر داخل محركات البحث وأنظمة الاسترجاع والذكاء الاصطناعي.
بالنسبة للمؤسسات الحقوقية، فإن النتيجة المحتملة هي إضعاف ظهور التقارير الأصلية أو إحاطتها بكم كبير من مواد تبدو متساوية معها في القيمة العلمية، رغم اختلاف مصدرها وغرضها وتمويلها.
ثالثًا: التأثير على توثيق الانتهاكات والجرائم الدولية
هذا الخطر يصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الأمر بموضوعات قانونية متنازع عليها، مثل:
الإبادة الجماعية. جرائم الحرب. الفصل العنصري.
التجويع. استهداف المدنيين. المستوطنات.
التعذيب والاحتجاز. التهجير القسري.
فعلى سبيل المثال، ينشر Hanover تقارير عن استهداف المدنيين والبنية التحتية والمستوطنات والاتهامات بالفصل العنصري، ويقدمها في صورة مراجعات قانونية وبيانية.
المشكلة ليست في مناقشة هذه الموضوعات أو تقديم رأي مخالف؛ بل في أن المحتوى الممول سياسياً قد يدخل إلى البيئة المعرفية الرقمية بصفته مصدراً بحثياً عاماً، ثم يُعاد استخدامه من قبل أنظمة الذكاء الاصطناعي دون إظهار السياق المالي والسياسي بشكل واضح للمستخدم النهائي.
في هذه الحالة قد يطرح صحفي أو محامٍ أو باحث سؤالًا على نموذج ذكاء اصطناعي، فيتلقى إجابة مبنية جزئياً على محتوى تم إنتاجه أصلًا ضمن حملة اتصالات حكومية، دون أن يدرك ذلك.
رابعاً: الخطر على معيار «الحقيقة» في الملفات القانونية
القانون الدولي لا يقوم على «أكثر الروايات تداولًا»، بل على الأدلة وقابليتها للتحقق ومصداقيتها وسياق إنتاجها.
لكن أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي لا تعمل بالضرورة بهذا المنطق القضائي. فهي قد تعتمد على:
كثافة التكرار. ظهور المصدر في نتائج البحث. التشابه بين عدة صفحات.
جودة تنظيم النص. مدى توافره رقميا. سهولة استخراجه آليًا.
وهنا ينشأ خطر أن يتحول الحجم الرقمي إلى بديل وهمي عن قوة الدليل القانوني.
إذا تم تكرار رواية واحدة عبر عشرات أو مئات الصفحات، فقد تظهر للنظام وكأنها مدعومة بمجموعة مستقلة من المصادر، بينما تكون في الأصل صادرة من شبكة واحدة أو حملة واحدة.
وهذا يمثل تحدياً خطيراً للمؤسسات الحقوقية لأنها تعتمد على الفصل الصارم بين:
مصدر مستقل دليل أولي تحليل حقوقي استنتاج قانوني.
بينما يمكن لحملات التأثير الرقمية أن تنتج:
رواية سياسية عشرات المواقع مئات المقالات مظهر تعدد المصادر
إعادة إنتاج بواسطة الذكاء الاصطناعي.
خامساً: شبكات أوسع من موقع Hanover
القضية لا تقتصر على موقع واحد، تظهر مواقع مثل Allyvia وFactSignal أنها تُدار أو توزع موادها بواسطة Clock Tower X LLC لصالح دولة إسرائيل، مع إفصاحات واضحة بذلك وفق سجلات FARA.
وتعرض FactSignal نفسها كمنصة «تحقق» وتحليل إعلامي، بينما تتضمن موادها مراجعات نقدية للأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية والتغطية الإعلامية المتعلقة بفلسطين.
كما تثبت سجلات FARA أن مواد من هذه المواقع تم تقديمها رسمياً باعتبارها مواد إعلامية موزعة نيابة عن دولة إسرائيل.
وهذا لا يعني تلقائيًا أن كل مادة منشورة خاطئة، لكنه يعني أن الاستقلال المؤسسي والسياق السياسي للمصدر يجب أن يكونا جزءاً من تقييم الموثوقية.
سادساً: الاستهداف ليس خوارزمياً فقط بل اجتماعياً أيضاً
تكشف تقارير أخرى عن مسارات متوازية من التأثير، فقد وثقت Responsible Statecraft حملة بقيمة 3.2 مليون دولار تديرها شركة Show Faith by Works لصالح إسرائيل، تشمل استخدام geofencing لاستهداف مرتادي الكنائس والجامعات المسيحية في الولايات المتحدة برسائل مؤيدة لإسرائيل.
كما وثقت حملة مؤثرين تديرها Bridges Partners لصالح وزارة الخارجية الإسرائيلية، تضم نحو 14-18 مؤثراً، وبميزانية 900 ألف دولار، مع تقديرات بأن المقابل قد يصل إلى عدة آلاف من الدولارات للمنشور الواحد.
هذا يكشف نموذجاً مزدوجاً:
التأثير على الإنسان مباشرة عبر المؤثرين والإعلانات والاستهداف الجغرافي،
بالتوازي مع
التأثير على الوسيط التقني الذي يستخدمه الإنسان للحصول على المعلومات.
سابعاً: لماذا يهدد ذلك المؤسسات الحقوقية الفلسطينية تحديداً؟
المؤسسات الفلسطينية والدولية العاملة في التوثيق تواجه تحدياً إضافياً لأنها تنتج غالباً:
- تقارير PDF طويلة.
- بيانات غير مهيأة لمحركات البحث.
- أدلة باللغة العربية.
- ملفات يصعب على محركات الذكاء الاصطناعي فهرستها.
- وثائق قانونية لا تستخدم لغة الأسئلة الشائعة.
في المقابل، يمكن لحملة اتصالات ممولة أن تنتج مئات الصفحات محسنة تقنياً ومقسمة وفق الأسئلة التي يطرحها المستخدمون فعلًا. وبالتالي قد يحدث خلل غير مرتبط بجودة الأدلة، بل بـقابلية العثور عليها آلياً.
قد يكون تقرير حقوقي أصلي مبنياً على مئات الشهادات أقل ظهوراً لخوارزمية البحث من عشرات المقالات المنشأة حديثاً التي تعيد صياغة القضية في شكل أسئلة وأجوبة.
ثامناً: الخطر على المحامين والباحثين والمحاكم
تزايد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في:
- البحث القانوني الأولي. إعداد المذكرات.
- تلخيص الأحكام. تحليل التقارير.
- إعداد قوائم المصادر. الصحافة الاستقصائية.
- إعداد الدراسات الجامعية.
وهذا يجعل «تلوث البيئة المصدرية» خطراً مهنياً مباشراً.
فقد يحصل المحامي على مصدر يبدو أكاديمياً لكنه حملة سياسية مسجلة؛ أو يقتبس الباحث رقماً أعاد نموذج الذكاء الاصطناعي إنتاجه دون معرفة مصدره الحقيقي.
وفي الملفات المتعلقة بجرائم دولية، يمكن أن يؤدي ذلك إلى:
- إرباك سلسلة المصادر.
- إدخال معلومات غير مستقلة في المذكرات القانونية.
- إضعاف حجج موثقة.
- خلق نزاعات اصطناعية حول وقائع سبق أن وثقتها جهات مستقلة.
تاسعاً: الخطر على الذاكرة الرقمية طويلة الأمد
الأخطر أن المواد المنشورة اليوم لا تستهدف النقاش الحالي فقط، فهي قد تبقى في:
- أرشيفات الإنترنت
- نتائج محركات البحث.
- قواعد بيانات التدريب المستقبلية
- أدوات الاسترجاع.
- مجموعات البيانات الأكاديمية.
وعليه، قد تتحول حملة اتصالات مؤقتة إلى بنية معرفية دائمة يعاد استخدامها لسنوات.
وهنا يصبح التضليل المحتمل ليس مجرد «خبر كاذب»؛ بل منافسة على تشكيل الذاكرة الرقمية التي ستُستخدم لاحقاً في تفسير التاريخ نفسه.
عاشراً: تنبيه منهجي بشأن مصطلح «تسميم النماذج»
ينبغي التفريق بين ثلاثة أمور:
أولًا: تسميم بيانات التدريب Training-data poisoning، وهو إدخال محتوى ضار عمداً في البيانات المستخدمة لتدريب النموذج.
ثانياً: التأثير على أنظمة الاسترجاع أو البحث، بحيث تصل الأنظمة إلى محتوى مهيأ للظهور عند الإجابة عن أسئلة حديثة.
ثالثاً: Generative Engine Optimization، وهو تحسين المحتوى كي يكون أكثر قابلية للاقتباس أو الاستخدام من أنظمة الذكاء الاصطناعي.
تحقيق الجارديان يقدم أدلة قوية على النوعين الثاني والثالث، وعلى محاولة «تهيئة» البيئة المعرفية التي تستخدمها روبوتات الدردشة. أما الادعاء بأن حملة معينة نجحت تقنياً في حقن بيانات تدريب داخل نموذج بعينه فيحتاج إلى أدلة مستقلة من الشركة المشغلة أو تحليل تقني مباشر.
لذلك يمكن القول أن هناك محاولة للتأثير في مصادر ومخرجات أنظمة الذكاء الاصطناعي.
الحادي عشر: توصيات عاجلة للمؤسسات الحقوقية
التطور الجديد يفرض على المجتمع الحقوقي الانتقال من مجرد توثيق الانتهاكات إلى حماية التوثيق رقمياً.
لذلك يجب العمل على مسارات متوازية:
- إنشاء مراصد متخصصة لمتابعة مصادر الذكاء الاصطناعي المرتبطة بفلسطين، مع تحديد المواقع الممولة حكومياً أو المسجلة كجهات تعمل لصالح حكومات.
- تحويل التقارير الحقوقية إلى صفحات HTML قابلة للفهرسة إلى جانب ملفات PDF.
- نشر البيانات الأساسية بصيغ قابلة للقراءة آلياً، مع metadata واضحة وتواريخ ومصادر أصلية.
- بناء صفحات «حقائق أساسية» للأسئلة التي تتكرر في أنظمة الذكاء الاصطناعي.
- إلزام فرق البحث القانونية بالتحقق من المصدر الأصلي لكل معلومة حصلوا عليها من نموذج AI.
- إنشاء قاعدة بيانات للمصادر الممولة سياسياً، مع توضيح حالة FARA أو الجهات الممولة.
- مخاطبة شركات الذكاء الاصطناعي لتطلب إظهار مصدر التمويل أو صفة الوكيل الأجنبي عند الاستشهاد بمحتوى مسجل بموجب FARA.
- الضغط لاعتماد معيار «المصدر الأولي أولًا» في القضايا الحقوقية: الأمم المتحدة، المحاكم، المنظمات الحقوقية المعروفة، السجلات القضائية، والأدلة الميدانية.
- إطلاق مشاريع AI literacy للمحامين والصحفيين والباحثين العاملين في فلسطين.
- أرشفة التقارير الحقوقية بطريقة تضمن بقاءها قابلة للوصول حتى إذا تغيرت المواقع أو محركات البحث.
الخلاصة الحقوقية
ما كشفه تحقيق الجارديان يجب ألا يُقرأ فقط كقصة عن مركز أبحاث مزيف أو حملة علاقات عامة.
الخطر الأعمق هو ظهور سوق جديد للتأثير في البنية المعرفية التي تعتمد عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وبالنسبة للعمل الحقوقي، فإن هذا يهدد ثلاثة عناصر جوهرية:
الحقيقة، والمصدر، وسلسلة التحقق.
إذا أصبحت الأنظمة الرقمية غير قادرة على التمييز بين تقرير حقوقي مستقل ومادة ممولة مصممة لمحاكاة البحث المستقل، فإن النتيجة قد تكون إضعاف الوصول إلى العدالة، وتشويش السجل التاريخي، وتقويض عمل المحامين والصحفيين والباحثين، وخلق بيئة معلوماتية يصبح فيها الحجم والانتشار التقني أكثر تأثيراً من قوة الدليل نفسه.
ولهذا فإن حماية العمل الحقوقي في عصر الذكاء الاصطناعي لا تعني فقط توثيق الجرائم، بل تعني أيضًا ضمان ألا تُدفن الأدلة الموثقة تحت طبقات من المحتوى المصطنع والمكرر والممول سياسيًا.
والتحدي الحقوقي الجديد يمكن تلخيصه في معادلة واحدة:
لم يعد كافياً أن تكون الحقيقة موثقة؛ يجب أن تكون أيضاً قابلة للعثور عليها،
قابلة للتحقق، واضحة المصدر، ومحصنة قدر الإمكان ضد الإغراق الخوارزمي.
أهم المصادر:
تحقيق The Guardian – Fake US thinktank set up and funded by Israel sought to game AI for propaganda، 26 أغسطس 2026
Responsible Statecraft – Israel creates fake think tank in likely attempt to dupe AI chatbots
Hanover Institute – صفحة التمويل والإفصاح عن العلاقة مع Piro/Havas/LaPam
Responsible Statecraft – حملة المؤثرين المدفوعة
Responsible Statecraft – حملة Geofencing للكنائس والكليات.
انتهى